قبل ثلاثة أسابيع، زرع الجيش الإسرائيلي متفجراته داخل شبكة أنفاق مرتفعات علي الطاهر، لكنه لم يضغط على زر التفجير.

واليوم، وبعد هجوم بطائرة مسيّرة استهدف آلية هندسية إسرائيلية في المنطقة، عاد الملف إلى الواجهة، لا باعتباره رداً على حادث ميداني فحسب، بل باعتباره مؤشراً إلى احتمال تحول أوسع في طريقة تعامل إسرائيل مع البنية العسكرية لـ«حزب الله» في جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن «حزب الله» استهدف، فجر الأربعاء، آلية هندسية غير مأهولة بطائرة مسيّرة مفخخة في مرتفعات علي الطاهر، من دون تسجيل إصابات، واعتبر الهجوم «انتهاكاً صارخاً» لوقف إطلاق النار، مؤكداً استمرار عملياته في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، أفادت «القناة 15» الإسرائيلية ووسائل إعلام إسرائيلية أخرى بأن الجيش ينتظر موافقة المستوى السياسي على تفجير شبكة الأنفاق، بعدما زرع فيها كميات كبيرة من المتفجرات قبل نحو ثلاثة أسابيع.

لكن توقيت طرح العملية يثير بدوره تساؤلات. فإذا كانت المتفجرات جاهزة منذ أسابيع، فلماذا عاد القرار إلى الواجهة الآن؟

وسائل إعلام إسرائيلية ربطت ذلك بهجوم المسيّرة الأخير، بينما تحدثت تقارير أخرى عن أن تنفيذ العملية أُجل لأسباب سياسية.

ولم يصدر تأكيد رسمي مستقل لهذه الروايات، إلا أنها تعكس أن القرار تجاوز الاعتبارات العسكرية البحتة، وأصبح جزءاً من حسابات سياسية ودبلوماسية أوسع.

إحدى العقد الرئيسية

ولا تبدو «علي الطاهر» موقعاً عادياً في الحسابات الإسرائيلية.

فالمرتفعات تشرف على قطاع واسع من جنوب لبنان والشريط الحدودي، وهو ما جعلها، وفق توصيفات إسرائيلية متكررة، إحدى العقد الرئيسية في شبكة القيادة والدفاع التابعة لـ«حزب الله»، لا مجرد موقع ميداني معزول.

ومنذ يونيو الماضي، وصف الجيش الإسرائيلي الموقع بأنه يضم بنية تحتية استراتيجية للحزب، فيما نقلت صحيفة «هآرتس» أن شبكة الأنفاق تمتد لنحو كيلومتر تحت المرتفعات.

كما قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، خلال جولة ميدانية في 21 يونيو الماضي، إن العمليات في علي الطاهر وقلعة الشقيف تستهدف إزالة ما وصفه بـ«مراكز الثقل» التابعة لـ«حزب الله» في القطاع الشرقي من الجنوب.

ويكتسب هذا السياق بعداً إضافياً من واقعة الحصار التي سبقت التطورات الأخيرة.

ففي 24 يونيو، أعلن الجيش الإسرائيلي أن عشرات من مقاتلي «حزب الله» باتوا محاصرين داخل مجمع علي الطاهر تحت الأرض، وهو ما نفاه الحزب واعتبره محاولة لتغطية إخفاقات ميدانية.

وبعد يومين، أعلن الجيش الإسرائيلي سيطرته على المرتفعات، وهو إعلان رفضه الحزب أيضاً، مؤكداً أن مقاتليه ما زالوا في المنطقة.

وترتبط «الأسباب السياسية» التي تحدثت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية بتطور آخر.

ففي اجتماع للحكومة الإسرائيلية، نفى رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ما تردد عن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب منه الامتناع عن التحرك ضد ما أسماه «أنفاق الإرهاب» في لبنان، ووصف تلك الأنباء بأنها «أخبار كاذبة»، مؤكداً أن إسرائيل تتخذ قراراتها وفق اعتبارات أمنها.

وجاء ذلك بعد تقرير للإذاعة الإسرائيلية العامة «كان» أفاد بأن إسرائيل عرضت على المسؤولين الأمريكيين معلومات استخباراتية مفصلة عن أنفاق علي الطاهر سعياً للحصول على دعم للعملية.

وتضيف تطورات الأسابيع الماضية مؤشراً آخر على أهمية الموقع. فقد أدرج الجيش الإسرائيلي مرتفعات علي الطاهر لاحقاً ضمن ما يسميه «منطقة الدفاع الأمامي»، بعدما لم تكن ضمن حدودها المعلنة في بداية العمليات، وهو ما اعتبرته وسائل إعلام إسرائيلية دليلاً على أن نطاق الانتشار بات يتحدد وفق تقدير التهديدات الميدانية، لا وفق حدود ثابتة.

مركز قيادة ومستودعات

وفي المقابل، نقلت «رويترز» عن مصادر أمنية لبنانية أن الموقع يُعتقد أنه يضم مركز قيادة ومستودعات أسلحة لـ«حزب الله»، فيما رأى المحلل العسكري اللبناني المتقاعد حسن جوني أن إسرائيل لن تقدم على انسحابات إضافية قبل معالجة ملف المرتفعات، سواء عبر بقائها فيها أو عبر إزالة المنشآت العسكرية بواسطة الجيش اللبناني.

وهنا يبدو أن قضية الأنفاق تتجاوز بعدها العسكري. فالاتفاق الإطاري الموقع في 26 يونيوالماضي يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بنزع سلاح «حزب الله» بصورة يمكن التحقق منها، لكن «رويترز» أشارت إلى أن الاتفاق لم يحسم بعد آلية التحقق أو الجهة التي ستتولى تنفيذها، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات متباينة بين إسرائيل ولبنان.

ولا يقتصر الأمر على تلة علي الطاهر وحدها. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي في أواخر يونيو الماضي تدمير بنية تحتية تحت الأرض في مجدل زون، فيما أكد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو لاحقاً أن الجيش يواصل إزالة الأنفاق والمنشآت العسكرية داخل الحزام الذي تسيطر عليه إسرائيل.

ولا تثبت هذه الوقائع وجود خطة إسرائيلية معلنة لتوسيع العمليات، لكنها تمنح القرار المرتقب بشأن تلة علي الطاهر بعداً يتجاوز حدود الموقع نفسه.