دخل اتفاق «الإطار» بين لبنان وإسرائيل مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت أولى نتائجه السياسية مع تصعيد ميداني جديد في الجنوب، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي، أمس، تعرض إحدى آلياته لهجوم بطائرة مسيّرة نسبه إلى «حزب الله»، في أول حادث من نوعه يعلنه منذ سريان وقف إطلاق النار في 26 يونيو الماضي، بينما تمسكت الرئاسة اللبنانية بخيار الدبلوماسية لتثبيت الاتفاق، في وقت واصلت فيه القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.

وفي هذا السياق، بحث الرئيس اللبناني جوزيف عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري نتائج زيارته إلى واشنطن، ولا سيما لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، إضافة إلى تطورات الجنوب.

وأكدت الرئاسة اللبنانية أن اللقاء تناول استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، بما فيها تفجير المنازل وتجريف القرى، وضرورة وقفها، فيما اكتفى بري بالقول إنه «مرتاح كالعادة»، في إشارة إلى توافق داخلي على متابعة المسار الذي انطلق بعد الزيارة.

نهج الدبلوماسية

وفي أول موقف سياسي له عقب عودته من واشنطن، شدد عون، خلال استقباله وفداً من نقابة المعلمين، على أن «الحروب لا تعود على البلدان إلا بالدمار ولا تجلب للشعوب إلا الفقر»، مؤكداً أن لبنان اختار الدبلوماسية لأن الحروب، كما قال، لا تنتهي إلا بإحدى حالتين: إما اقتناع الأطراف باستحالة الحسم والجلوس إلى طاولة التفاوض، أو غلبة طرف على آخر.

وأضاف أن الطريق «ليست سهلة وفيها الكثير من الصعوبات، لكنها ليست مستحيلة»، معتبراً أن لبنان لا يحتاج إلى المساعدات بقدر حاجته إلى الاستقرار السياسي والأمني، مستشهداً بتحقيق الاقتصاد اللبناني نمواً بنحو %4 العام الماضي، وفائضاً في الموازنة تجاوز 1.3 مليار دولار، إلى جانب ارتفاع احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية بنحو ملياري دولار.

لكن الميدان حمل مؤشرات مغايرة، فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن طائرة مسيّرة «انتحارية» استهدفت آلية هندسية لقواته في منطقة تلة علي الطاهر، واعتبر الهجوم أول خرق لاتفاق وقف إطلاق النار من جانب «حزب الله»، مؤكداً عدم وقوع إصابات، ومشدداً على أن قواته ستواصل عملياتها ولن تسمح، بحسب بيانه، بإعادة بناء القدرات العسكرية للحزب أو تنفيذ مخططات ضده.

وبالتزامن مع ذلك، واصل الجيش الإسرائيلي قصف مرتفع علي الطاهر، وتوغلت آلياته في محيط عيتا الجبل قبل انسحابها باتجاه حداثا، فيما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بمواصلة عمليات نسف وإحراق المنازل في عدد من البلدات الجنوبية، إلى جانب تحليق مكثف للطائرات المسيّرة.

ولا تبدو أهمية علي الطاهر مرتبطة بالتصعيد الأخير فقط، إذ تشير معطيات ميدانية نشرتها وكالة «رويترز» إلى أن المنطقة تمثل العقدة الأبرز في المرحلة المقبلة من تنفيذ اتفاق الإطار، في ظل اعتقاد إسرائيل بوجود مراكز قيادة ومستودعات أسلحة لـ«حزب الله» فيها، وهو ما يجعل أي انسحاب إضافي مرهوناً بالتوصل إلى آلية يمكن من خلالها التحقق من نزع السلاح.

توسيع «التجريبية»

كما كشفت «المنطقة التجريبية» الأولى في بلدة زوطر الغربية حجم التعقيدات التي تواجه تنفيذ الاتفاق.

فبحسب «رويترز»، استغرق إنشاء هذه المنطقة أسابيع من المفاوضات غير المباشرة بوساطة أمريكية، قبل انتشار الجيش اللبناني فيها عقب انسحاب إسرائيلي محدود، فيما بقيت القوات الإسرائيلية متمركزة في مواقع قريبة، وعاد السكان إلى قرية تحول نحو نصفها إلى ركام، في ظل غياب الظروف اللازمة لإعادة الإعمار أو استئناف الحياة الطبيعية.

ونقلت الوكالة عن مسؤولين عسكريين وأمنيين أن بيروت تعتزم طرح مقترح يقضي بتوسيع «المناطق التجريبية» لتشمل منطقتين أو ثلاث مناطق واسعة بدلاً من الانسحاب من قرية تلو الأخرى، في محاولة لتسريع تنفيذ الاتفاق، في حين تؤكد إسرائيل أنها ستبقي قواتها في الجنوب ما دامت ترى أن المتطلبات الأمنية لم تتحقق، بينما تشير تقديرات أمنية إلى أن الانسحاب الكامل قد يستغرق أكثر من عام في ظل غياب جدول زمني واضح وآلية متفق عليها للتحقق من نزع سلاح «حزب الله».

وفي موازاة ذلك، أكد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن حجم الدمار في جنوب لبنان لا يزال كبيراً، وأن عودة السكان تتطلب إزالة الأنقاض وتأهيل الطرق والمنازل قبل استكمال العودة، فيما يواصل الصليب الأحمر اللبناني عمليات الإجلاء والرعاية الطبية والدعم النفسي والإنساني في المناطق المتضررة.