يقف لبنان، اليوم، أمام معادلة تكاد تكون مستحيلة؛ كيف يمكن بناء دولة تحتكر السلاح وتمارس سيادتها الكاملة، فيما لا تزال تواجه احتلالاً إسرائيلياً وضربات عسكرية متواصلة وتهديداً دائماً بتصعيد أكبر للحرب وتداعياتها الكارثية؟ وكيف يمكن في المقابل استمرار منطق «الدويلات» والسلاح الخارج عن الدولة من دون أن يتحول ذلك إلى تقويض دائم لفكرة الدولة من أساسها؟
وطالما كان لبنان ساحة لتجاذبات سياسية وطائفية عميقة أثّرت على بنية الدولة الوطنية، ما أدّى إلى نشوء كيانات داخل الدولة نفسها، هذا التساؤل عاد إلى الواجهة مع تصريحات الرئيس اللبناني جوزاف عون، التي شدد فيها على السعي إلى «دولة يسود فيها القانون وتنعدم فيها الدويلات»، بالتزامن مع حديثه عن ضرورة اعتماد مقاربة سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، لمعالجة ملف سلاح «حزب الله»، وربطه بين انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وتمكين الدولة من بسط سلطتها الكاملة.
دولة واحدة
ظاهرياً تبدو المعادلة بسيطة؛ دولة واحدة، جيش واحد، وسلاح واحد، لكن الواقع اللبناني أكثر تعقيداً من الشعارات السياسية التقليدية، فجنوب لبنان ما زال يعيش تحت ضغط الغارات الإسرائيلية المستمرة منذ اتفاق وقف إطلاق النار، في حين تتكرر عمليات الاستهداف والاغتيال والتهجير، الأمر الذي يمثل ضغطاً على الحكومة اللبنانية بخصوص هدفها المتمثل بحصرية السلاح، فيما لا تزال إسرائيل تتصرف باعتبار لبنان ساحة مفتوحة أمنياً وعسكرياً.
صراعات
في المقابل ثمة داخل لبنان تيار يعتبر أن استمرار وجود سلاح خارج مؤسسات الدولة، ومدعوم من جهات خارجية، هو بحد ذاته أحد أسباب هشاشة الدولة، وعجزها عن فرض سيادتها أو استعادة ثقة المجتمع العربي والدولي. ويرى هذا الاتجاه أن تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري جعل لبنان دولة معلقة بين الحرب والسلم، وأدخلها في صراعات إقليمية أكبر من قدرتها على الاحتمال.
استقرار كامل
المفارقة أن كلا المنطقين يمتلك من يؤيده، فإسرائيل لا تبدو مستعدة لمنح لبنان استقراراً كاملاً حتى في ظل المفاوضات الجارية برعاية أمريكية، بل تواصل العدوان العسكري والأمني في محاولة لفرض وقائع جديدة على الحدود الجنوبية. وفي الوقت نفسه فإن بقاء معادلة «الدولة إلى جانب سلاح ليس بيدها» يكرس ازدواجية السلطة، ويمنع قيام دولة موحدة كاملة الصلاحيات.
وتبدو المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية الجارية في واشنطن أكثر من مجرد ترتيبات أمنية حدودية؛ فهي ترتبط عملياً بمستقبل المعادلة اللبنانية كلها، فهل ينجح لبنان في الوصول إلى صيغة تضمن استعادة الدولة من نظام " الدوبلات" بما يسمح في مواجهة إسرائيل ووقف اعتداءاتها، بما يسمح فعلاً بقيام دولة مكتملة السيادة؟ أم أن البلد سيبقى أسير حلقة مفرّغة، حيث يبرر الاحتلال وجود السلاح، ويمنع السلاح اكتمال الدولة، فتظل نفسها عالقة بين الضعف والخوف والانقسام؟!