يقف لبنان عند مفترق شديد الحساسية والخطورة بين التصعيد العسكري جنوباً، ومحاولات فتح مسار تفاوضي طرقه وعرة، مع إسرائيل برعاية أمريكية، مع ضغوط اقتصادية رهيبة تطرح سؤالاً قديماً يتجدد عن مدى قدرة البلد على الإفلات من عاصفة الإقليم والنأي بنفسه عن مآلات حرب إيران.
الجنوب يبدو أكثر توتراً، مع حديث إسرائيلي متصاعد عن نوايا بتوسيع العمليات العسكرية، إذا استمرت هجمات «حزب الله»، فيما تحدثت تقارير، الثلاثاء، عن تنفيذ غارات مكثفة على أهداف جنوب لبنان بالتزامن مع تحركات برية وآليات ثقيلة قرب بعض القرى الحدودية.
تصعيد
كما شهدت المنطقة الحدودية تصعيداً جديداً بعدما أعلنت الجبهة الداخلية الإسرائيلية عن دوي صفارات الإنذار في عدد من بلدات القطاع الأوسط للحدود مع لبنان، إثر تسلل طائرات مسيّرة أُطلقت من الأراضي اللبنانية. وقال الجيش الإسرائيلي إن «حزب الله» أطلق مسيّرات انقضاضية باتجاه قواته في الجنوب ومواقع في إسرائيل، مشيراً إلى أن الدفاعات الجوية اعترضت إحدى المسيّرات، فيما سقطت أخرى قرب الحدود.
وبحسب بيانات الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فقد دوت صفارات الإنذار في مستوطنتي مرغليوت والمنارة ثلاث مرات خلال وقت قصير. وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية باندلاع حرائق قرب «المنارة»، نتيجة اعتراض إحدى المسيّرات.
وقالت بلدية مستوطنة كريات شمونة إن دوي الانفجارات الذي سمع في المنطقة ناجم عن «حدث عسكري مستمر».
منع الانزلاق
بالتوازي، يحاول لبنان الرسمي، بقيادة الرئيس جوزاف عون، ونواف سلام، رئيس مجلس الوزراء، الدفع باتجاه مسار تفاوضي يهدف عملياً إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط معلومات عن وساطة أمريكية تتحرك بهدوء لمحاولة صياغة تفاهمات أمنية وسياسية أوسع. لكن هذا المسار يصطدم بعقدة أساسية تتمثل في ملف سلاح «حزب الله»، في ظل إعلان أمين عام الحزب، اليوم مجدداً، أن سلاح الحزب «ليس مادة تفاوضية».
واللافت أن الخطاب الإسرائيلي يواصل الحديث عن «إعادة رسم الواقع الحدودي»، وهو تعبير يحمل أبعاداً تتجاوز العمليات الموضعية، خصوصاً مع التقارير التي تحدثت عن عبور قوات وآليات إلى مناطق شمال الليطاني، في مؤشر إلى أن تل أبيب تريد فرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي تسوية سياسية.
انقسام داخلي
في الداخل اللبناني، ينعكس هذا التصعيد على المشهد السياسي المنقسم أصلاً، حيث يرى فريق لبناني أن لبنان يُدفع إلى حرب مرتبطة بالمواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين تواجه الدولة اللبنانية صعوبات الإمساك بالقرار الأمني والعسكري بسبب تمسك حزب الله المدعوم إيرانياً بسلاحه، والأمر الواقع الذي يفرضه في لبنان، رغم محاولات الحكومة إظهار نفسها طرفاً تفاوضياً مستقلاً نسبياً عن الإيقاع الإقليمي.
ولا يزال لبنان يعيش حالة إنهاك عميقة، لكن اللافت اليوم هو عودة الحديث عن إمكانية ربط أي تسوية أمنية بحزمة دعم مالي دولية. بعض التحليلات اللبنانية بدأت تتحدث صراحة عن أن الولايات المتحدة ودولاً أخرى قد تدعم لبنان اقتصادياً إذا نجح في تثبيت الحدود واحتواء نفوذ السلاح خارج الدولة.
حراك دبلوماسي
كما أن الحراك الدبلوماسي العربي تجاه بيروت يشهد نشاطاً ملحوظاً، حيث برزت رسائل دعم سياسي للبنان الرسمي، بالتزامن مع تأكيدات لبنانية على أهمية إعادة ترميم العلاقات مع الدول العربية، باعتبارها بوابة أساسية لأي إنقاذ اقتصادي محتمل.
يبدو لبنان اليوم في مرحلة «الاستنزاف المعلّق»، فلا حرب شاملة ولا تهدئة مستقرة، ولا ظروف مواتية لتسوية سياسية. الجنوب يشتعل على إيقاع الضربات المتبادلة، والدبلوماسية تتحرك تحت النار، فيما يزداد اقتناع كثير من اللبنانيين بأن مستقبل بلدهم بات مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بنتائج الصراع الإقليمي الكبير، لا بالتوازنات الداخلية وحدها.