التطورات الميدانية المتسارعة، والضغوط السياسية الداخلية، والخطوات غير المسبوقة التي اتخذتها الدولة اللبنانية تجاه «حزب الله» ونفوذ إيران العدواني، تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان هذا التصعيد يعكس بداية تحوّل حقيقي نحو إجماع داخلي وإقليمي رافض لدور الحزب بسبب الويلات التي جرها على الدولة والمواطن اللبناني، وهل وصل الحزب عند خط «النهاية»؟

طرد السفير

تعكس التطورات الأخيرة في المنطقة وفي لبنان مؤشرات لافتة على تصاعد الضغوط الداخلية في لبنان ضد «حزب الله»، خاصة بعد أن اتخذت الحكومة اللبنانية خطوات غير مسبوقة شملت حظر أنشطته العسكرية، والمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، بل وصل الأمر إلى طرد السفير الإيراني من بيروت وإصرارها على عدم بقائه رغم رفضه المغادرة، في خطوة تعكس تحوّلاً في مقاربة النفوذ الإيراني داخل البلاد.

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تعكس تنامي شعور داخل مؤسسات الدولة اللبنانية بأن قرار الحرب لم يعد يُحتمل أن يُبقى خارج إطارها، خاصة بعد أن قادت هجمات الحزب إلى إدخال البلاد في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، تسببت في خسائر بشرية ونزوح واسع، فضلاً عن تدمير أجزاء من البنية التحتية.

تآكل البيئات الحاضنة

وبحسب مراقبين فإن الانتقادات التي طالت الحزب لم تعد مقتصرة على خصومه التقليديين، بل امتدت إلى دوائر أوسع داخل المشهد اللبناني، في ظل تراجع كبير في مستوى التأييد  حتى داخل بعض البيئات الحاضنة، نتيجة كلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية.

قال نائب رئيس الوزراء اللبناني، طارق متري: إن «حزب الله» قرر الزج بلبنان في الحرب، رغم تعهّداته السابقة بعدم إعطاء ذرائع لإسرائيل، مشيراً في الوقت نفسه، إلى أن الأخيرة لم تتوقف عن عملياتها العسكرية في جنوب لبنان منذ اتفاق نوفمبر 2024،

ضغوط

ويتقاطع هذا التحول مع موقف عربي وغربي متزايد يدعو إلى تحجيم دور الأذرع المرتبطة بإيران، ورفض استخدام الأراضي اللبنانية ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما يعزز فرضية وجود بيئة ضاغطة على«حزب الله» ونفوذ طهران في لبنان.

ويرى الخبراء أن تمسُّك الحزب بخيار المواجهة لا ينفصل عن كونه أداة ضمن الاستراتيجية الإقليمية لإيران، التي توظف الساحة اللبنانية لخدمة حساباتها، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقرار لبنان وأمنه الاقتصادي والاجتماعي.

ويؤكدون أن ربط طهران أي تهدئة في لبنان بمسارات صراع أوسع في المنطقة يكشف بوضوح أن القرار لم يعد لبنانياً خالصاً، بل بات مرتهناً لأجندات خارجية.

وفي المحصلة يرى الخبراء أن لبنان يقف أمام مفترق طرق حاسم، حيث يتنامى الرفض لدور الحزب ونفوذ إيران،  غي ظل ادخال البلد في متاعات  نتيجة انضياغ الحزب لقرارات إيران.

عدوان مزدوج

يرى المحلل السياسي اللبناني حنا صالح، أن لبنان يعيش اليوم تحت وطأة ما يصفه بـ«العدوان المزدوج»، حيث تمارس إسرائيل ضغوطاً عسكرية وأمنية مباشرة، فيما تواصل إيران، وفق تعبيره، محاولات «الهيمنة على القرار اللبناني» عبر أدواتها في الداخل، وعلى رأسها «حزب الله».

ويؤكد صالح أن طهران تتحمل مسؤولية إدخال لبنان في موجة التصعيد الأخيرة، من خلال توجيه الحزب للانخراط في المواجهة، بما حوّل البلاد إلى ساحة صراع مفتوح، يدفع ثمنه الشعب اللبناني بمختلف مكوناته.

ويضيف أن التداعيات لم تعد سياسية أو أمنية فقط، بل امتدت إلى كلفة إنسانية واجتماعية باهظة، تمثلت في موجات نزوح واسعة طالت حتى بيئة الحزب التقليدية، ما يعكس حجم الأزمة التي تسبب بها.

ويرى أن هذا المسار أضرّ بالنسيج الوطني، وأدخل لبنان في دوامة من الانقسامات والضغوط الاقتصادية الحادة.

ويشير صالح إلى أن هناك رفضاً لبنانياً متنامياً للنفوذ الإيراني، معتبراً أن شريحة واسعة من اللبنانيين لم تعد تقبل باستمرار هذا النمط من التدخل، الذي عطّل قيام الدولة، وأضعف مؤسساتها على مدى عقود.ويخلص إلى أن لبنان يقف أمام لحظة فاصلة، حيث باتت استعادة الدولة لقرارها السيادي ضرورة ملحة، في مواجهة واقع فرضته سنوات من تغلغل السلاح خارج الشرعية، بما يهدد استقرار البلاد ومستقبلها.

نزع السلاح

بينما يرى الباحث السياسي أحمد المصري، أن استمرار الحزب في الاحتفاظ بسلاحه خارج إطار الدولة يخلق معادلة مختلة، تجعل من الصعب على الحكومة فرض سياساتها أو حماية مصالحها بعيداً عن حسابات القوة المفروضة.

ويضيف المصري أن ما يفاقم الأزمة هو ارتباط الحزب الوثيق بأجندات إيران العدائية، وهو ما يضع لبنان في قلب صراعات لا تخدم أولوياته الداخلية، بل تعمّق أزماته الاقتصادية والسياسية.. وأنه بدلاً من أن يكون القرار اللبناني نابعاً من مؤسسات الدولة، يصبح رهينة لتوازنات إقليمية تُدار خارج حدوده.

ويخلص المصري إلى أن أي مسار لإنقاذ لبنان يمرّ حتماً عبر استعادة الدولة لاحتكارها الشرعي للسلاح، وإنهاء حالة الازدواجية التي تجعل من البلاد ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، على حساب سيادتها ومستقبل شعبها.