اختبار حقيقي لقدرة العراق على تحويل الانسحاب إلى تثبيت فعلي للسيادة

شهد العراق تحولاً استراتيجياً بارزاً مع إتمام انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها العسكرية بعد تواجد استمر لنحو ربع قرن، وأكدت هذه الخطوة انتهاء مرحلة العمليات العسكرية المباشرة للتحالف الدولي، لتنتقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى عاتق الحكومة العراقية، في وقت لا تزال فيه التحديات الأمنية قائمة، حيث شددت الحكومة العراقية على أن القرار الأمني والعسكري أصبح اليوم وطنياً وخاصاً بصورة كاملة بمؤسسات الدولة الرسمية، وهنا يظهر الاختبار الحقيقي في قدرة الدولة العراقية على تحويل الانسحاب من مجرد خروج ظاهري للقوات الأمريكية إلى تثبيت فعلي لسيادة الدولة، وقدرتها على اتخاذ أي قرار دون الخشية من ردة فعل أمريكية عسكرية كانت أم حتى اقتصادية.

شكل أمس محطة فاصلة في تاريخ العراق الحديث، حيث دخل العراق مرحلة جديدة مع الإعلان الرسمي عن انتهاء المهمة العسكرية وانسحاب آخر القوات الأمريكية من قواعدها، وفي مقدمتها قاعدة أربيل الجوية، فبالنسبة إلى الحكومة العراقية، هو يوم إعلان استعادة المسؤولية الكاملة عن القرار الأمني والعسكري والسيادي؛ أما بالنسبة إلى واشنطن، فهو نهاية مرحلة عسكرية طويلة مع الإبقاء على العلاقات الثنائية والتعاون الاستخباري والتدريب.

وأعلنت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) أن مغادرة القوات والمعدات من القاعدة تمثل «النهاية الرسمية لعملية العزم الصلب في العراق»، التي بدأت قبل 12 عاماً لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إن القوات الأمريكية أنهت عملية الانسحاب المنظم للقوات والمعدات من قاعدة أربيل الجوية، موضحة أن الانسحاب من العراق يأتي ضمن خطة انتقال نحو علاقة دفاعية ثنائية.

وأضافت أن قوة المهام المشتركة الموحدة لا تزال تعمل وتتخذ من الأردن مقراً لها، وأن القوات الأمريكية تواصل مكافحة تنظيم داعش في سوريا إلى جانب شركاء التحالف وحكومة سوريا.

وأشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس، بمغادرة آخر القوات الأمريكية العراق، معتبراً أن ذلك يمثل «يوماً عظيماً لأمريكا»، مؤكداً أن الولايات المتحدة تترك العراق في ظل وجود رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي وصفه بأنه «رائع»، وقال إنه دعمه منذ البداية وأيده بالكامل.

دلالة سياسية

وفي بغداد، حملت المناسبة دلالة سياسية وطنية، تمثّلت بإعلان رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، خلال الحفل الرسمي بمناسبة «يوم السيادة»، أن العراق ينتقل إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره.

ووضع الزيدي هذا التحول في سياق مسار طويل من التضحيات التي قدمها العراقيون والقوات المسلحة في مواجهة الإرهاب، معتبراً أن ما تحقق اليوم هو ثمرة سنوات من إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، وحشد الموارد وتوحيد الجهود واستعادة زمام المبادرة.

وشدد رئيس الحكومة العراقية خلال اجتماع استثنائي للمجلس الوزاري للأمن الوطني لبحث الاستحكامات والمهام العسكرية والأمنية للقوات المسلحة، في مرحلة ما بعد إتمام انسحاب التحالف الدولي من العراق واكتمال السيادة الوطنية، «أن القرار الأمني والعسكري أصبح اليوم وطنياً وخاصاً بصورة كاملة بمؤسسات الدولة الرسمية»، حسب بيان للحكومة العراقية.

وفي مشهد يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، أكدت ميليشيات موالية لإيران في العراق، أنها غير ملزمة بأي توقيت أو اتفاق بشأن تسليم سلاحها، مشيرة إلى أنها لم تتلق رداً حكومياً على مفاوضات خاضتها بشأن تنظيم هذا السلاح.

وجاء الموقف خلال احتفال للميليشيات بانتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش، بالتزامن مع مساع حكومية للتوصل إلى تفاهم معها وسط ضغوط أمريكية متزايدة.

وزعم متحدث باسم ميليشيا ما تعرف بـ «كتائب حزب الله» أن جماعته «انخرطت منذ أكثر من 40 يوماً في مفاوضات لبحث عملية تنظيم السلاح، لكنها لم تتلق رد الحكومة العراقية حتى الآن».

وأضاف أنه بناء على ذلك، فإنهم غير ملزمين «بأي توقيت أو اتفاق قد تحدث عنه أو يتحدث عنه أي طرف حكومي أو سياسي».

ويأتي هذا الإعلان في وقت يسعى رئيس الوزراء علي الزيدي إلى أن تشكّل مغادرة التحالف دافعاً لحصر سلاح الميليشيات بيد الدولة العراقية.

وكانت الحكومة قد حدّدت 30 سبتمبر موعداً لتسليم سلاح الميليشيات، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف، قبل أن تتراجع عن المهلة وتعلن استمرار التفاوض بشأن «تنظيم» السلاح.

في المقابل، طالب مقتدى الصدر بحصر السلاح بيد الدولة وببرنامج علني مدروس وذي نتائج واقعية ملموسة ومرضية للشعب والمرجعية.