الزيدي أمام تحدي تنظيف العراق من مسببات الفساد 

في ساعات فجر الأحد الماضي، حدث ما لم يحدث في العراق خلال العقدين ونصف العقد الماضية، عاصفة شديدة تضرب ركائز الفساد في المنظومة السياسية في العراق بعد وعود كثيرة كان ينتظرها الشعب العراقي، حيث شنت السلطات العراقية أكبر وأضخم حملة لمكافحة الفساد المالي واستغلال النفوذ منذ سنوات بتفكيك شبكات توصف بـ«حيتان الفساد».

لتشمل اعتقال مسؤولين كبار ونواب، في المنطقة الخضراء المحصنة، وفعل هذه المرة رئيس الوزراء علي الزيدي ما لم يفعله أحد غيره، بعبوره فوق الخطوط الحمر، وتجاوزها دون تردد، ما يؤكد أن الدولة عندما تتوفر لديها الإرادة قادرة على فرض هيبتها وقانونها، وأن ما جرى لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية معركة، بل بداية مسار جديد قد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلطة السياسية.

فجرت الحملة مفاجأة قانونية من العيار الثقيل قد تطيح بالعملية السياسية برمتها وتدفع نحو انتخابات مبكرة، حيث بدأت مؤشرات تداعيات سياسية لا تقل أهمية عن نتائجها القضائية، بعد حديث القضاء عن استغلال المال العام في الدعاية الانتخابية، وهو ما فتح نقاشاً بشأن إمكانية الطعن بنتائج الانتخابات الأخيرة إذا ثبت أن المال السياسي غيّر موازين المنافسة.

يعد الفساد في العراق تحدياً هيكلياً تراكم منذ ما بعد عام 2003، حيث تطور ليصبح شبكة معقدة من المحسوبيات وتقاسم النفوذ، لكن اعتقال أسماء كانت عصية على الملاحقة في حقب سابقة بفضل (درع المحاصصة) خطوة تثبت جديّة واضحة من قبل رئيس الوزراء في تنظيف العراق وتطهيره من حيتان الفساد، إلا أن نجاحها مرهون باقتلاع جذور الفساد والمحاصصة التي كانت سبباً في معاناة العراق لسنوات من الفوضى.

منذ 2003، لم تخلُ حكومة عراقية واحدة من خطاب مكافحة الفساد. هيئة نزاهة، وديوان رقابة، وقضاء، ولجان تحقيق، ومجالس عليا، وتعهدات متكررة، ومع ذلك بقي الفساد قادراً على تبديل جلده والعودة من نافذة أخرى.

لم تعد عمليات مكافحة الفساد تقتصر على ملاحقة الرشاوى الصغيرة، بل انتقلت إلى مواجهة السرقات المبرمجة والهيكلية التي تستهدف عصب الدولة المالي. وتكمن أهمية الحملة في انتقال المواجهة إلى مستويات سياسية وإدارية متقدمة، بعدما طالت أسماء وازنة داخل البرلمان وكتل سياسية، بما يجعلها اختباراً جدياً لمبدأ المساءلة داخل مؤسسات الدولة، فإنهاء الفساد في العراق لن يكون ممكناً إلا إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية. لكن على القوى السياسية دعم إجراءات رئيس الوزراء في هذه المهمة التي عجزت عنها جميع الحكومات السابقة.

أغنى الدول النفطية في العالم وأكثرها فقراً في الوقت نفسه، هكذا جعل الفساد من العراق محطة عالمية له على رغم جهود الحكومات المتعاقبة، حيث عانى لسنوات مديدة من الفساد الإداري والمالي، حتى بات أحد أعتى التحديات التي أعاقت مسيرة التنمية وأثقلت كاهل المواطن البسيط.

حيث يؤكد عدد من المراقبين أن المحاصصة الحزبية والطائفية تعد البيئة الحاضنة لتجذر الفساد المالي والإداري، إذ تقسم مؤسسات الدولة ومواردها إلى حصص نفوذ.

لذلك فإن النجاح الحقيقي لهذه الحملة يتوقف على استمرارها وعدم اقتصارها على حالات محددة أو أشخاص بعينهم، بل أن تمتد إلى كل ملفات الفساد الكبرى دون أي استثناء والاستعانة بخبراء تحقيق دوليين ومحاكم دولية مختصة هو السبيل الأمثل لمحاربة الفاسدين ويعكـس الرغبة الحقيقية في بناء مؤسسات الدولة.

وفيما يرى مراقبون أن التحركات الحالية قد تمثل فرصة حقيقية لكسر شبكات الفساد المتجذرة، يحذر آخرون من أن نجاحها سيبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على تجاوز الانتقائية السياسية وتحويل التحقيقات إلى أحكام قضائية واسترداد فعلي للأموال المنهوبة.

ولا شك أن تصحيح العملية السياسية في العراق يكمن بضرب القيادات الفاسدة التي كانت سبباً في فشل مؤسسات الدولة طيلة الفترة الماضية وكشف الحقائق للرأي العام، وإصدار أحكام قضائية عادلة تترجم مبدأ أن المال العام خط أحمر والقانون فوق الجميع.

لا شك أن حكومة الزيدي تبذل جهوداً للإطاحة كلياً بحيتان الفساد، لكن الأهم هو أن تتمكن من الوصول إلى نهاية لملفات الفساد الكبرى، فهذه بحاجة إلى تضافر جهود داخلية و خارجية، ودعم دولي وقضائي، حتى تستطيع الوصول إلى أهم أسباب وقوة الفساد.

العراق محتاج إلى مشروع وطني متكامل يرتكز على ركائز واضحة: سيادة القانون على الجميع دون استثناء، ومكافحة الفساد في كل مفاصل الدولة من قمتها إلى قاعدتها، ولا بد من العمل بشكل متوازٍ على تصميم وتطبيق نظام سياسي واقتصادي سليم لمنع الثغرات التي تسمح للفساد بالظهور والعمل على مكافحته عند ظهوره من خلال القوانين.

وهذه التطورات بلا شك تعزز الانطباع بأن الإجراءات الحالية تمثل محاولة لتغيير بعض الثوابت التي حكمت العملية السياسية خلال العقدين الماضيين، لا مجرد تدابير قضائية.

وتضع حملات ملاحقة «حيتان الفساد» في العراق شرعية التمثيل السياسي ومخرجات الانتخابات على المحك، حيث تحدثت مادر عن تورط أموال عامة مسروقة في تمويل حملات انتخابية سابقة لبعض المرشحين. ومع ذلك، يرى الخبراء والمستشارون القانونيون أن إلغاء نتائج الانتخابات بالكامل أمر مستبعد فنياً وسياسياً،