تظهر مؤشرات الحملة العراقية المفاجئة على الفساد وجود صلة مع ملف الفساد الإيراني داخل العراق، وأن هدف الحملة الرئيس هو تفكيك شبكة سياسية وأمنية معقدة مرتبطة بإيران وتسهل وصولها إلى الأسواق الدولية عبر العراق، سواء عن طريق النفط أو الدولار.

ورغم أن السلطات العراقية لم تنشر بعد الرواية الكاملة ولا لائحة الاتهامات التفصيلية، فإن ما ظهر حتى الآن يشير إلى أن التحقيقات لا تقف عند حدود الرشى والعقود، بل تمتد إلى شبكات نفوذ مرتبطة بقطاع النفط والمال العام.

وتأتي هذه التوقيفات قبل زيارة يُتوقّع أن يجريها رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن منتصف يوليو، ستكون الأولى له إلى الخارج منذ تسلّمه منصبه الشهر الماضي وتعهّده مكافحة الفساد كما حصر سلاح المجموعات المقرّبة من إيران، وهو ملف تضغط واشنطن على بغداد لتحقيقه.

ورغم تحفظ البيانات الرسمية العراقية على ربط القضية بإيران، فإن مسؤولاً أمنياً عراقياً صرح لوكالة فرانس برس أن عمليات الدهم شملت قضايا "تتعلق بملف تمويل الفصائل" المقربة من طهران والتي تصنّفها واشنطن "إرهابية"، وكذلك "بتهريب النفط الإيراني وتهريب الدولار والفساد". واعتبر أن "الأمور لا تزال في بداياتها البسيطة" وسط ضغوط أميركية متزايدة على بغداد.

وفي وقت سابق الأحد، نقلت وكالة الأنباء العراقية عن مصدر رفيع المستوى أنّ التوقيفات حصلت "بناء على اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي" الذي ألقي عليه القبض الشهر الماضي وضبطت السلطات أكثر من 85 مليون دولار في إطار قضية فساد مرتبطة به.

وتشير المعطيات إلى ان السلطات العراقية تعمدت توسيع حملة مكافحة الفساد لتطال مسؤولين من كتل سياسية متنوعة، سنة وشيعة، لتفادي تصوير الحملة وكأنها مرتبطة حصراً بشبكة إيران، وبدلاً من ذلك جرى تصوير الحملة ضمن إطار وطني حظي بترحيب شعبي من كافة أطياف العراق، وإسناد من الكتل السياسية الرئيسية.

الاسم الأبرز في هذا السياق هو النائب علي معارج البهادلي، الذي تلاحقه اتهامات بالإشراف أو تسهيل عمليات مرتبطة بتهريب النفط الإيراني عبر العراق. وتكتسب قضيته أهمية خاصة لأنها تتعلق بمسار أوسع يشتبه في أنه استخدم للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، عبر خلط النفط الإيراني بالعراقي أو تمريره بوثائق منشأ مختلفة.

وتشير معطيات أميركية سابقة إلى أن معارج كان جزءاً من شبكة سهلت نقل وبيع منتجات نفطية إيرانية عبر الأراضي أو المؤسسات العراقية، بما وفّر مورداً مالياً لإيران وبعض حلفائها داخل العراق. ومن هنا تبدو قضية معارج وسموله في الحملة، واحدة من أكثر نقاط التقاطع وضوحاً بين حملة مكافحة الفساد وشبكات النفوذ الإيراني.

ولا يقف الخيط الإيراني عند ملف النفط وحده. فبعض التسريبات والتقارير أشارت إلى أن التحقيقات تتناول أيضاً مسارات تتصل بتمويل الفصائل، وتهريب الدولار، واستخدام واجهات تجارية ومصرفية لتحريك أموال يصعب تتبع مصدرها أو وجهتها. وهذه الملفات سبق أن كانت موضع اهتمام أميركي متكرر، خصوصاً مع اتهام واشنطن بعض المصارف والشركات العراقية بالعمل كقنوات مالية تخدم الحرس الثوري الإيراني أو فصائل عراقية مرتبطة به.

وإذا توسعت التحقيقات على هذا المسار، وفق ما هو متوقع، فقد تتحول حملة مكافحة الفساد إلى واحدة من أكثر العمليات حساسية في العراق، لأنها تقترب من مناطق النفوذ الإيرانية التي ظلت لسنوات عصية على المحاسبة، إلى ان طلب ترامب جردة الحساب من العراقيين!

والحملة ليست مفاجئة للأمريكيين. فمنذ مايو الماضي أعلن الأمريكيون عن خطتهم لتفكيك شبكة إيران في العراق. 

في السابع من مايو، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات، على نائب وزير النفط العراقي،علي معارج البهادلي، بسبب تورطه في مخطط لمساعدة إيران على بيع نفطها بما ينتهك الحظر الدولي، عبر خلطه بالنفط الخام العراقي، وهي قضية معروفة منذ زمن طويل لكن الجهات المعنية الدولية صمتت عن هذا التحايل على العقوبات.

هذه الخطوة يبدو أنها لم تكن معزولة، إنما أتت في إطار برنامج أمريكي لتفكيك ميليشيات الحشد الشعبي الإيرانية في العراق. وما زاد من هذه التكهنات تقارير تحدثت اليوم عن خطة موجودة بالفعل لحل «الحشد الشعبي» في العراق، على مراحل، تبدأ بنزع سلاح ثقيل وعزل قيادات فصائل وتعيين ضباط محترفين مشرفين على البنية التحتية للهيئة.

وتزامنت ملامح الخطة التي كشف عنها مسؤولون شاركوا في نقاشات فنية وسياسية بشأن مستقبل «الحشد الشعبي»، مع زيارة قام بها الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس إلى بغداد الأسبوع الماضي، بصفته «خبيراً مستقلاً» يعمل على «ورقة تنفيذية» لنزع سلاح الميليشيات في العراق.

وفق التقارير يعمل بترايوس على صياغة ورقة تنفيذية حول «الحشد الشعبي»، تُرفع إلى البيت الأبيض عبر المبعوث الأمريكي الذي يدير ملف العراق إلى جانب سوريا، توم براك.

ويأتي هذا الضغط على الميليشيات العراقية الموالية لإيران في ظل اعتداءات نفذتها على دول الخليج العربي عبر مسيرات تستهدف أمن الخليج ومنشآته الحيوية المدنية، لحساب إيران التي تستخدم هذه الميليشيات لتنفيذ اعتداءات تدخل في خانة الجرائم الدولية، مثل العدوان الآثم على محيط محطة براكة النووية السلمية.

وأبلغ مسؤولون أميركيون بغداد بضرورة فرض سيادة كاملة على القرار الأمني، وإنهاء مصادر التهديد الإقليمي.