يعيش العراق جدلاً واسعاً إثر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض الإدارة الأمريكية ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، إذ شهدت البلاد احتجاجات، كما صدرت عدة بيانات لقوى سياسية تستنكر ما وصف عراقياً بأنه تدخل أمريكي سافر في شأن وطني داخلي. فيما أشارت مصادر إلى ممارسة قوى عراقية ضغوطاً على المالكي للانسحاب من الترشح وعدم الدخول في مجازفة خلاف مع ترامب.
وحذر ترامب الثلاثاء الساسة العراقيين، في منشور على منصة «تروث سوشيال»، من تداعيات اختيار المالكي رئيساً للوزراء مرة أخرى، على العلاقات بين بغداد وواشنطن.وقال إن الولايات المتحدة لن تساعد العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة؛
خيارات
وعقد "فيتو" ترامب ضد المالكي من عملية تشكيل الحكومة العراقية، ويبحث الإطار التنسيقي عدة خيارات حالياً للتعامل مع الرفض الأمريكي للمالكي في ظل وجود انقسام داخل الإطار نفسه بشأن ترشيح المالكي حتى قبل تهديد ترامب.
وقالت مصادر عراقية إن «الإطار» شكل لجنة مهمتها التفاوض مع «جهات مؤثرة» في الجانب الأمريكي، مع التأكيد على ضرورة التهدئة وعدم تصعيد التصريحات الإعلامية بانتظار نتائج المفاوضات.
وشدد المالكي، على أن اختيار الحكومة العراقية وقياداتها شأن وطني يجب أن يُحترم، كما تحترم بغداد خيارات الآخرين، وفق تعبيره.كما أعلن في مؤتمر صحافي اليوم من بغداد، أن حكومته إن رأت النور، تتطلع إلى إقامة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية متوازنة مع جميع الدول الإقليمية والدول الكبرى.
ورأى أن احترام إرادة العراقيين والديمقراطية وحق الشعب في اختيار نظامه السياسي وقياداته عبر المؤسسات الدستورية يمثل مبدأً ثابتاً، مضيفاً: «سنمضي في اعتماد هذه الإرادة».
في المقابل قال مصدر مطلع إن المالكي يفكر في الانسحاب من خلال ضغوطات داخلية وخارجية، وقد أعلن عدم الترشح عقب الاجتماع الذي جمعه مع القائم بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد، جوشوا هاريس، والذي نقل بشكل مباشر رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة إلى المالكي، مفادها أن الولايات المتحدة «لن تتدخل في مسار تشكيل الحكومة العراقية، لكنها ستقاطع الحكومة المقبلة في حال مضي المالكي بترشيحه لرئاسة الوزراء».
ويكشف المصدر أن هناك سيناريوهين مطروحين حالياً داخل الإطار. الأول: المضي قدماً في قرار ترشيح المالكي وترك القرار النهائي للقوى السياسية داخل البرلمان بشأن مصيره، أو انسحاب المالكي من الترشح وترشيح العبادي أو السوداني.
رفض
وتُعد تصريحات ترامب، بشأن ترشيح المالكي، الأولى من نوعها لرئيس أمريكي يتحدث بشكل معلن عن رفض مرشح لشغل منصب رئيس الوزراء في العراق، حيث كان كل شيء يجري في السابق خلف الكواليس.
ويرى توم واريك، نائب مساعد وزير الأمن الوطني الأمريكي السابق، أن السبب الأساسي لرفض ترشيح المالكي هو أن إدارة ترامب تعتبره «قريباً أكثر من اللازم من إيران على حساب المصالح الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة»، إضافة إلى ذلك، فإن ما جرى في العراق في عام 2014 وسيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من البلاد من بين الأسباب التي دعت ترامب لرفض المالكي.
وفي الآونة الأخيرة، كثفت إدارة ترامب ضغوطها على بغداد للحد من النفوذ الإيراني في العراق ومنع الميليشيات المرتبطة بطهران من المشاركة في الحكومة الجديدة.
وأشارت مصادر إلى وجود رفض شديد داخل دوائر صنع القرار في واشنطن لعودة المالكي، في ظل اعتبارات تتعلق بالمرحلة الحساسة التي تمر بها المنطقة، وبالتوازنات السياسية والأمنية داخل العراق.
وفي السياق نفسه، اعتبرت شبكة ABC الأمريكية أن تداول اسم المالكي يأتي في توقيت بالغ الدقة، إذ يُنظر إليه بوصفه شخصية تحظى بدعم إيراني قوي، في وقت يسعى فيه العراق إلى تثبيت مسار اقتصادي جديد وتعزيز الأمن الداخلي.
قال متحدث باسم الخارجية الأمركية عبر البريد الإلكتروني، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لا ترى أنه ينبغي أن يكون للميليشيات المدعومة من إيران أي دور في الحياة السياسية العراقية.
عقوبات
وجاء تصريح المتحدث بالتزامن مع تأكيدات مسؤولين عراقيين على أن واشنطن لوحت بفرض عقوبات «كارثية» على بغداد في حال عدم إبعاد الميليشيات المتحالفة مع إيران من تشكيلة الحكومة الجديدة.
ويتقاطع هذا المشهد مع رهانات اقتصادية عالية الكلفة، إذ يعتمد العراق بشكل كبير على استقرار علاقته مع الولايات المتحدة، سواء في إدارة عائدات النفط أو في جذب الاستثمارات الحيوية لاقتصاد يعاني تباطؤاً واضحاً، ما يجعل أي توتر سياسي مرشحاً للانعكاس سريعاً على الوضع المالي والمعيشي.
ولم تكن علاقات المالكي مع واشنطن دائماً بهذا السوء؛ إذ انتُخب رئيساً للوزراء لأول مرة عام 2006 بدعم أمريكي. لكن بعد ولايتين امتدتا لثماني سنوات، بات يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه مقرب من إيران، كما وُجهت إليه اتهامات بتغذية الانقسام الطائفي.