لم يعد التفاوض بين واشنطن وطهران يدور حول مبدأ وقف الحرب، بقدر ما انتقل إلى معركة أكثر تعقيداً حول من يبدأ أولاً، وماذا يقدم مقابل ماذا، فمع تكثيف الوساطات القطرية، وتبادل مقترحات التهدئة، بقيت قناة الاتصال مفتوحة، لكن من دون أن تتحول حتى الآن إلى اختراق يقود إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب.وأظهرت أحدث الاتصالات، أن الخلاف يتركز بدرجة كبيرة على تسلسل الخطوات وضماناتها، فيما تظل قضايا العقوبات والبرنامج النووي ومضيق هرمز في صلب التفاوض.وتتمحور العقدة الأبرز حول ترتيب الالتزامات، خصوصاً بين إعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف الحصار والعقوبات الأمريكية من جهة، والملف النووي والضمانات المطلوبة من جهة أخرى.وخلال الأيام الماضية، طرحت طهران مقترحاً من سبعة أيام لبناء الثقة، يتضمن خطوات مرتبطة بإعادة فتح المضيق، واستعادة حركة الملاحة، مقابل إجراءات أمريكية تتصل بالحصار على الموانئ والأصول المجمدة والعقوبات. ورغم رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المقترح علناً، نقل الوسطاء لاحقاً رداً أمريكياً إلى طهران، ما أبقى الاتصالات قائمة.

تسلسل التنفيذ وضماناته



وتشير المعطيات إلى أن الخلاف لا ينحصر في مضمون التسوية، وإنما يمتد إلى توقيت تنفيذ الالتزامات، ومن يقدّم الخطوة الأولى.

ووفق ما نقلته مصادر مطلعة، يدور النقاش حول صيغة مرحلية لتخفيف التصعيد، إلا أن الطرفين لا يزالان متمسكين بأوراق الضغط الأساسية قبل تقديم تنازلات ملموسة.

وفي هذا السياق، أصبح مضيق هرمز أحد أكثر أوراق التفاوض حساسية، نظراً إلى تأثير اضطراب الملاحة فيه على إمدادات الطاقة والتجارة العالمية، بينما تحاول واشنطن ربط أي تخفيف للضغط الاقتصادي، بتنازلات إيرانية أوسع في الملفات محل الخلاف.

ويرى محللون أن استمرار الوساطة يعكس رغبة الطرفين في إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً، لكنه لا يرقى إلى اختراق سياسي، إذ لا تزال الخلافات قائمة بشأن البرنامج النووي، والعقوبات، وآلية إعادة فتح المضيق، وتسلسل الالتزامات، والضمانات التي يفترض أن تحول دون انهيار أي اتفاق جديد.

كما أن تعثر التفاهم السابق في يونيو، يزيد حساسية الطرفين تجاه مسألة الضمانات والتنفيذ، في وقت تتواصل فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية، ما يجعل المفاوضات أقرب إلى إدارة للصراع تحت الضغط، منها إلى مفاوضات حاسمة حول تسوية نهائية.

خطوات متزامنة

ويؤكد الخبراء أن سباق المقترحات نجح حتى الآن في منع انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل، لكنه لم يحسم العقد الرئيسة التي تحول دون إنهاء الحرب.ويشيرون إلى أن الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة، لن يكون في عدد المقترحات المتبادلة، وإنما في قدرة واشنطن وطهران على تحويلها إلى خطوات متزامنة وقابلة للتحقق، بدلاً من استمرار معادلة «التنازل أولاً»، التي أبقت الجمود قائماً.

يرى خبير التخطيط الاستراتيجي بسام شكري، أن المقترحات المتبادلة بين واشنطن وطهران، لا تزال عاجزة عن معالجة جوهر الأزمة، في ظل وجود خلافات أساسية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، فضلاً عن تداعيات الدور الإيراني عبر حلفائه في المنطقة.ويشير إلى أن طهران، بحسب تقديره، تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مساحة لكسب الوقت، عبر طرح مقترحات تؤدي إلى إطالة أمد التفاوض، وتأجيل الاستحقاقات الأساسية، بما يمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، وتعزيز قدراتها، سواء على مستوى البرنامج النووي أو نفوذها الإقليمي.

ويلفت إلى أن ملف الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق، يمثل جانباً آخر من التعقيدات، خصوصاً مع تأجيل الاستحقاقات المتعلقة بنزع السلاح، في ظل غياب ترتيبات واضحة وكاملة لإعادة دمج أعداد كبيرة من المسلحين في مؤسسات الدولة، أو توفير بدائل اقتصادية وسياسية لهم.ويضيف أن استمرار التفاوض لفترات طويلة، لا يعني بالضرورة إحراز تقدم، معتبراً أن إيران تستفيد من عامل الوقت لإحداث تغييرات في بيئتها الإقليمية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى استنفاد المسار الدبلوماسي، قبل اتخاذ خطوات عسكرية جديدة.

ترتيبات متسارعة

ويرى شكري أن المشهد الإقليمي يشهد في المقابل ترتيبات متسارعة، خصوصاً بعد التحركات الأمريكية والصينية الأخيرة، مع تزايد الضغوط الدولية والإقليمية بشأن البرنامج النووي الإيراني، ونشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران. الوضع تحت السيطرةبينما يرى خبير الشؤون السياسية هاني سليمان، أن سباق المقترحات بين واشنطن وطهران لم ينجح حتى الآن في معالجة الأزمات العالقة، أو تقليص فجوة الخلاف بين الطرفين، التي تبدو آخذة في الاتساع، مشيراً إلى غياب أي تقدم ملموس في إجراءات بناء الثقة، أو اتخاذ خطوات عملية إلى الأمام.

ويوضح أن استمرار الجمود يرتبط بتمسك كل طرف برؤيته ومطالبه، إلى جانب استمرار حالة انعدام الثقة، لافتاً إلى أن المقترح الإيراني الأخير، الذي تضمّن سبعة مطالب أو اشتراطات، يعيد طرح قضايا سبق أن اعترضت عليها واشنطن، فضلاً عن ارتباط عدد منها بمكاسب ومصالح اقتصادية، تسعى طهران إلى الحصول عليها، سواء عبر رفع العقوبات، أو الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، أو تثبيت ترتيبات معينة بشأن مضيق هرمز.

ويضيف أن تحديد مدة أسبوع لتنفيذ المقترح الإيراني، بما يقود إلى هدنة وإعادة فتح المضيق، يبدو غير متناسب مع تعقيد البنود المطروحة، خصوصاً أن المقترح لم يحمل، في تقديره، عناصر جديدة قادرة على تغيير مواقف الطرفين، أو تجاوز نقاط الخلاف السابقة.

في المقابل، يشير سليمان إلى أن واشنطن تراهن على استمرار الضغوط الاقتصادية، بما في ذلك العقوبات المفروضة على قطاعات غير نفطية، باعتبارها أدوات للضغط على طهران، وتحقيق الأهداف الأمريكية.ويخلص إلى أن الإدارة الأمريكية تبدو معنية بإبقاء الوضع تحت السيطرة خلال المرحلة المقبلة، في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في 3 نوفمبر، بما يجعل عامل التوقيت حاضراً في حسابات المسار التفاوضي.