تواجه مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، التي سيمضي غداً شهر على توقيعها، اختباراً جديداً وحاسماً قد يحدد مصيرها بالكامل، وبينما كانت الأنظار تتجه إلى تنفيذ بنودها الأربعة عشر واحتواء التصعيد، عادت المواجهة إلى الواجهة مع تبادل التهديدات العسكرية وتصاعد الضغوط الاقتصادية. يبرز سؤال جوهري: هل دخلت المذكرة مرحلة الانهيار الفعلي، أم أن المواجهة الحالية ليست سوى ورقة ضغط لإعادة صياغة التفاهمات وشروطها من خلف الكواليس؟
وزاد من هشاشة التفاهمات إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار بحري على مضيق هرمز، والمطالبة برسوم حماية على الشحنات العابرة، بالتزامن مع توجيه تهديدات مباشرة لإيران، ما أعاد الشكوك حول قدرة الاتفاق على الصمود. يرى محللون عسكريون واستراتيجيون أن التطورات الأخيرة وجهت ضربة قاضية لروح الاتفاق، إذ لم يخفِ الطرفان نواياهما عبر محاولة فرض جباية مالية تحت ذرائع مختلفة في الممر المائي الأهم عالمياً.
ورغم تراجع الرئيس الأمريكي عن تحصيل الرسوم إلا أن طهران تواصل ابتزازاتها للعالم بمحاولة فرض تحصيل الرسوم، خاصة وأنها كانت تخطط أساساً لفرض رسوم عبور باهظة بعد انقضاء مهلة الـ60 يوماً المجانية تحت غطاء تقديم «خدمات الملاحة والأمن» عبر هيئة إدارة المضيق التابعة لها. وهناك رغبة تحويل مضيق هرمز من ممر دولي حر إلى ساحة جباية استراتيجية وتمويل ذاتي، ما نسف ركائز الثقة التي بنيت عليها مذكرة يونيو.
على الجانب الآخر، تتبنى قراءة تحليلية مغايرة فرضية أن المذكرة لم تمت، بل دخلت مرحلة «التفاوض العنيف ». ويعتقد مراقبون أن البنود الـ14 ما زالت تشكل القناة الخلفية الاستراتيجية الوحيدة لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة مدمرة لا يريدها الطرفان حقاً.
ويصنف التصعيد الراهن، رغم لغة التهديد العسكري وقرارات الحصار، بوصفه أداة ضغط متبادلة لرفع سقوف الشروط وتحسين المواقع التفاوضية قبل انتهاء المهلة المقررة للوصول إلى اتفاق نهائي.ومن ثم فإن معركة «الرسوم والجباية» وقصف المواقع المتبادل قد تكون الجزء «الخشن وغير المعلن» من عملية صياغة الاتفاق الجديد، حيث يسعى كل طرف لانتزاع أكبر قدر من المكاسب المالية والسياسية، بينما تظل قنوات الوساطة الدولية مفتوحة لترتيب المخرج الدبلوماسي عند نضوج الظروف الإقليمية.
تحت الاختبار
يرى خبير الشؤون الإيرانية د. علاء السعيد أنه من المبكر الحديث عن انتهاء مفعول مذكرة التفاهم الموقّعة في يونيو الماضي بشكل نهائي. ويوضح أنه رغم التطورات الأخيرة المتمثلة في القصف المتبادل، والتصعيد العسكري، والتهديدات الأمريكية بفرض حصار بحري على مضيق هرمز، والتي تعطي انطباعاً بالعودة إلى مربع المواجهة المفتوحة، إلا أن تجربة العقود الماضية تؤكد أن التصعيد لا يعني بالضرورة سقوط مسار التفاوض، بل كثيراً ما كان جزءاً منه.
ويؤكد د. السعيد في تصريحات خاصة لـ«البيان» أن ما يشهده الميدان اليوم هو مرحلة «إعادة تموضع وضغط متبادل» وليس إعلاناً لوفاة المذكرة، حيث تسعى واشنطن لرفع كلفة المماطلة الإيرانية وإجبار طهران على تقديم تنازلات إضافية، ويشير إلى أنه في مثل هذه الظروف تصبح لغة الصواريخ جزءاً من العملية التفاوضية تماماً كالدبلوماسية.
ورغم اهتزاز بعض بنود المذكرة الـ14 بفعل الميدان، إلا أن إطارها العام لم يختفِ، فلا واشنطن مستعدة لكلفة حرب شاملة، ولا وضع طهران يسمح بمواجهة مفتوحة بلا سقف زمني.
ويخلص د. السعيد إلى أن المذكرة تمر باختبار قاسٍ وليس مرحلة دفن، مؤكداً استمرار قنوات الاتصال عبر الوسطاء خلف الضجيج العسكري، ومشدداً على أن الحكم بانتهاء التفاهمات يظل سابقاً لأوانه ما لم يشهد العالم انهياراً كاملاً لقنوات التواصل.
المذكرة سارية المفعول
بدوره، يقدم المحلل السياسي حمد بوضاري قراءة واقعية حول مآلات مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن المذكرة لا تزال سارية المفعول حتى الآن برغبة وإرادة متبادلة من الطرفين.
ويوضح بوضاري في تصريحات خاصة لـ«البيان» أن المواقف الرسمية المعلنة من الجانبين، رغم نبرتها الحادة، تؤكد تمسكهما الشكلي بالسياق التفاوضي، حيث يحرص كل طرف على اتهام الآخر بنقض التفاهمات للتملص من المسؤولية السياسية وتحسين موقعه.
ويرى بوضاري أن التلويح بفرض رسوم عبور في مضيق هرمز وتبادل الهجمات الميدانية هما جزء من تكتيكات الضغط العنيف، متوقعاً استمرار دوامة الهجمات المتبادلة دون إعلان وفاة الاتفاق رسمياً.
ويشير في ختام تحليله إلى أن هذا التصعيد العسكري والابتزاز المالي المتبادل لن يتوقف حتى تصل طهران في نهاية المطاف إلى قناعة تامة ومقايضة واقعية بأنها لن تكسب معركة السيطرة على مضيق هرمز، ما قد يدفعها حينها للقبول بتسوية نهائية بشروط أكثر واقعية.