فيما تفاءل العالم بتحقيق انفراجة دبلوماسية بتوقيع اتفاق بين أمريكا وإيران يوم 18 يونيو الجاري، بما يسهم في إنهاء الحرب كلياً وفتح مضيق هرمز، إلا أنه اتفاق يعكس حالة انعدام الثقة التي تسيطر على الطرفين؛ وتتضح هذه الحالة بوضوح في محاولات متبادلة لتحسين شروط التفاوض، وتعزيز أوراق القوة قبل العودة مجدداً إلى طاولة المباحثات.

وأثبتت التطورات عدم وجود اتفاق على «الاتفاق»، بل إنه مقدمة لهدنة تسمح بإجراء مفاوضات أكثر جدية، حيث ظل اختلاف رؤى البلدين حول مضيق هرمز و«النووي» والأموال المجمدة، ويبدو أن المواجهات الأخيرة لا تعد إلا محاولة من قبل الطرفين لتحسين الشروط.

إدارة أزمة

الاتفاق الحالي بين واشنطن وطهران يعد أقرب إلى إطار إدارة الأزمة منه إلى تسوية نهائية، في ظل بقاء الملفات الخلافية الكبرى دون حسم. فالغموض الذي اكتنف بنود الاتفاق، خصوصاً ما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، فتح الباب أمام تفسيرات متناقضة من الطرفين، انعكست سريعاً على الأرض بتصعيد عسكري يضع الهدنة على المحك.

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الصياغة الغامضة التي وافق عليها المفاوضون الأمريكيون باتت تهدد جهود السلام، بعدما تبنى كل طرف تفسيراً مختلفاً لبند ينص على أن تتخذ إيران «الترتيبات، مع بذل أقصى الجهود، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية» عبر مضيق هرمز لمدة 60 يوماً. إذ يُعد ضمان العبور غير المشروط أبرز تنازل قدمته طهران للولايات المتحدة بموجب الاتفاق.

وحسب محللين، لم يتم الشرح بالتفصيل ما المقصود بـ«الترتيبات» أو «أقصى الجهود». فقد ضمنت واشنطن مساراً لإعادة فتح مضيق هرمز وتهدئة أسواق الطاقة والحد من مخاطر التصعيد الإقليمي، أما طهران فقد حصلت على وقف للقتال واحتمال استئناف صادرات النفط وتخفيف العقوبات، علماً أن الطرفين يمتلكان مصلحة مشتركة في الحفاظ على هذا التفاهم والغموض في نفس الوقت، ولذلك لن يغامرا باتخاذ خطوات أو ردود فعل من شأنها الإطاحة به بشكل نهائي.

شكّل مضيق هرمز حجر الزاوية في تداعيات الحرب، ويبقى ملف إدارته من أهم القضايا العالقة التي ستتضمنها مفاوضات المرحلة الثانية من الاتفاق الأمريكي الإيراني؛ حيث قد يؤدي تباين الرؤى بين البلدين بشأن أزمة فرض رسوم على السفن المارة في المضيق إلى تعثر المفاوضات، وفشل التوصل إلى اتفاق نهائي.

ووفقاً لتقديرات أمريكية، فإن فرض رسوم مقابل «الخدمات الأمنية وحماية البيئة» في مضيق هرمز يمكن أن يدرّ نحو 40 مليار دولار سنوياً، لذلك ترفض أمريكا وكل دول العالم هذا المقترح الإيراني، وتريد عودة المضيق إلى ما قبل الحرب.

وأن إيران لن تحصل على المكتسبات التي تطالب بها إلا بعد التزامها بما اتفقت عليه، والتأكد من هذا الالتزام عبر آلية تم وضعها للمراقبة والتحقق، بالنظر لغياب الثقة التامة في نوايا طهران بناءً على تجارب سابقة.

الملفات الخلافية

المرحلة المقبلة ستتركز على البحث في الملفات الخلافية الكبرى والحساسة، والتي لا تزال تشكل العقبة الأساسية أمام تثبيت تفاهم نهائي ومستدام بين الطرفين. ولا شك أن فتح مضيق هرمز في مقدمة الأولويات، نظراً لما يمثله من أهمية لحركة الملاحة وأسواق الطاقة.

وتحاول واشنطن من خلال مباحثات الدوحة اليوم الحصول على ضمانات تحول دون تمكن إيران من تعطيل الملاحة في المضيق كلما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. بالمقابل تناور إيران بتعطيل المضيق طمعاً في الحصول على الأموال المجمدة.

وغني عن القول إن قبول كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقيادة الإيرانية بهذا الاتفاق يأتي في إطار تفاهم نسبي، مع الاحتفاظ دائماً بسيناريوهات تتراوح بين تهدئة مرحلية وجمود أو مواجهة واسعة في المضيق، لكنه ينذر أيضاً بأن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة.