بورغنشتوك (سويسرا) دبي - البيان، وكالات
لم تنهِ الجولة الأولى من المحادثات الأمريكية الإيرانية في سويسرا الحرب التي اندلعت بين الطرفين في فبراير الماضي، لكن يبدو أنها وضعت للمرة الأولى إطاراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً متكاملاً لإدارة مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
فالتفاهمات التي خرجت بها اجتماعات بورغنشتوك لم تقتصر على الملف النووي، بل امتدت إلى العقوبات النفطية والأصول الإيرانية المجمدة وأمن الملاحة في مضيق هرمز ومستقبل الوضع في لبنان، ما يعكس محاولة لتحويل التهدئة العسكرية المؤقتة إلى مسار سياسي يمتد ستين يوماً قابلاً للتطور نحو اتفاق أوسع.
وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن المحادثات أرست «أساساً جيداً جداً لاتفاق نهائي ناجح»، مضيفاً أن الاتفاق النهائي لا يزال قيد البناء، لكن الطرفين وضعا أساساً يمكن الانطلاق منه خلال المرحلة المقبلة.
وجاءت تصريحات فانس عقب اختتام الجولة الأولى من المباحثات التي استمرت نحو 18 ساعة بوساطة باكستانية وقطرية، وأسفرت عن الاتفاق على خريطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً، وإنشاء لجنة رفيعة المستوى للإشراف السياسي على التنفيذ، إلى جانب مجموعات عمل متخصصة للملف النووي والعقوبات وتسوية النزاعات.
وأكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن المحادثات جرت في أجواء إيجابية وبناءة وأسفرت عن «تقدم مشجع»، بينما شدد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني على أن مذكرة التفاهم لا تهدف فقط إلى وقف الحرب، بل إلى تأسيس إطار مؤسسي للمفاوضات المستقبلية.
النووي.. إعلان أمريكي وتحفظ إيراني
شكل الملف النووي أحد أبرز محاور الجولة الأولى، إذ أعلن فانس أن إيران وافقت على دعوة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للعودة إلى البلاد، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل بداية عملية لمعالجة المخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
وأضاف أن عودة المفتشين قد تبدأ خلال الأيام القليلة المقبلة، وربما خلال الأسبوع الجاري، في أول إشارة أمريكية إلى تقدم ملموس في هذا الملف منذ توقف عمليات التفتيش عقب الضربات التي استهدفت منشآت إيرانية العام الماضي.
غير أن الرواية الإيرانية بدت أكثر حذراً. فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أن ما جرى في سويسرا اقتصر على «نقاش مقتضب للغاية» بشأن الملف النووي، وأنه لم يتم الدخول في أي تفاصيل فنية، مشدداً على أنه لا يمكن اعتبار ما حدث بداية فعلية لمفاوضات نووية.
ويعكس هذا التباين اختلافاً واضحاً في قراءة نتائج الجولة الأولى، إذ تتحدث واشنطن عن تقدم في الملف النووي، بينما تحاول طهران إظهار أن الأولوية لا تزال لتنفيذ الالتزامات الاقتصادية والسياسية الواردة في مذكرة التفاهم.
تعليق العقوبات على النفط
وفي أول خطوة عملية لتنفيذ التفاهمات، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تعليق العقوبات المفروضة على إنتاج وبيع ونقل النفط الإيراني حتى 21 أغسطس المقبل.
وبموجب القرار، أصبحت جميع المعاملات المرتبطة بالنفط الخام والمنتجات البترولية والبتروكيماوية الإيرانية مسموحاً بها خلال الفترة المحددة، بما يشمل خدمات النقل والتأمين والمعاملات المالية المرتبطة بها.
وذكرت وزارة الخزانة الأمريكية أن المعاملات المصرح بها بموجب الترخيص العام الأمريكي الجديد تشمل استيراد النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والمنتجات البترولية إلى الولايات المتحدة. وأضافت أن الترخيص لا يجيز المعاملات التي تشمل كوريا الشمالية وكوبا وأوكرانيا.
وفي السياق ذاته، تحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن إعفاءات لصادرات النفط والبتروكيماويات والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب إطلاق برامج لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية داخل إيران.
الأصول المجمدة وآلية الرقابة
وكشف نائب الرئيس الأمريكي أن واشنطن تعمل على آلية تضمن أن أي أموال إيرانية قد يتم الإفراج عنها لن تُستخدم في تمويل أنشطة تصفها الولايات المتحدة بالإرهاب. وأوضح أن المقترح الذي قدمه جاريد كوشنر يقوم على منح واشنطن والدوحة حق الرقابة على كيفية استخدام الأموال المفرج عنها، بحيث تُوجه إلى شراء سلع أساسية ومنتجات زراعية أمريكية، بينها القمح والذرة وفول الصويا.
وقال فانس إن الهدف هو ضمان استفادة الشعب الإيراني من هذه الأموال، مع منع استخدامها في أنشطة عسكرية أو أمنية.
هرمز.. قناة اتصال مباشرة
واحتل مضيق هرمز موقعاً متقدماً على جدول الأعمال. وأسفرت المحادثات عن الاتفاق على إنشاء قناة اتصال مباشرة لتفادي الحوادث وسوء الفهم وضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر المضيق.
وأكد فانس أن المضيق مفتوح حالياً، فيما أظهرت بيانات الملاحة البحرية استمرار حركة السفن وناقلات النفط والغاز عبر الممر الاستراتيجي رغم التوترات التي شهدتها الأيام الماضية.
لبنان في صلب التفاهمات
ورغم أن المفاوضات حملت عنوان العلاقات الأمريكية الإيرانية، فإن لبنان تحول إلى أحد الملفات المركزية في المحادثات.
فقد أعلن فانس أن الولايات المتحدة تعمل على وضع آلية لنزع سلاح «حزب الله»، مؤكداً أن واشنطن تسعى إلى وقف إقليمي لإطلاق النار، وأن الملف اللبناني سيبقى موضع نقاش مستمر خلال المرحلة المقبلة. وقال إن الولايات المتحدة حريصة على أمن إسرائيل وسيادة لبنان في آن واحد، مشيراً إلى أن المطلوب من إيران هو المساعدة في كبح جماح «حزب الله» ضمن التفاهمات الجارية.
وتكشف هذه التصريحات أن واشنطن لا تنظر إلى وقف إطلاق النار في لبنان باعتباره هدفاً نهائياً، بل تعتبره مدخلاً لمعالجة ملفات أوسع تتعلق بمستقبل الحزب ودوره العسكري.
وفي هذا الإطار، اتفقت الولايات المتحدة وإيران برعاية قطرية وباكستانية على إنشاء مجموعة عمل خاصة بلبنان وخلية لإدارة النزاعات وخفض التصعيد، تضم الأطراف المعنية والجمهورية اللبنانية، بهدف ضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية ومنع انهيار التهدئة.
ويُعد إنشاء هذه الآلية أحد أبرز مخرجات الجولة الأولى، لأنه ينقل الملف اللبناني من مجرد بند أمني إلى مسار متابعة سياسي وأمني منظم تشارك فيه الأطراف المعنية بصورة مباشرة.
كما أشار فانس إلى أن التقدم الذي تحقق في الملف اللبناني يعد جزءاً أساسياً من التفاهم الأوسع مع إيران، فيما اعتبر عراقجي أن نجاح آلية المتابعة الخاصة بلبنان سيكون الاختبار الأول لمدى جدية تنفيذ التفاهمات الجديدة.
دور متصاعد للوسطاء
وبرزت باكستان وقطر بوصفهما الضامنين الرئيسيين للمسار الجديد، ليس فقط خلال المحادثات، بل أيضاً في مرحلة المتابعة اللاحقة.
وفي هذا السياق، أعلنت إسلام آباد أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان سيزور باكستان اليوم الثلاثاء، مشيرة إلى أن الزيارة ستتيح فرصة لمناقشة المداولات الدبلوماسية الجارية في أعقاب اتفاق السلام بين إيران والولايات المتحدة.
وتعكس الزيارة أهمية الدور الذي باتت تلعبه باكستان إلى جانب قطر في إدارة الاتصالات السياسية بين الأطراف المختلفة خلال المرحلة المقبلة.
دعم صيني للمسار الجديد
وعلى المستوى الدولي، رحبت الصين ببدء المحادثات بين واشنطن وطهران، معتبرة أن تنفيذ مذكرة التفاهم سيساعد على ترسيخ وقف إطلاق النار الذي تحقق بصعوبة، ويفتح آفاقاً جديدة للعلاقات الأمريكية الإيرانية. وأكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي دعم بلاده لجميع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، واستعداد بكين للمساهمة في أي مساعٍ تساعد على تثبيت التهدئة.
مرحلة الاختبار
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الجولة الأولى، فإن التفاهمات التي تم التوصل إليها لا تزال في بدايتها. فالمحادثات الفنية ستستمر خلال الأيام المقبلة لبحث تفاصيل تنفيذ مذكرة التفاهم، فيما تبقى الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي ومستقبل «حزب الله» والعقوبات طويلة الأمد، رهناً بما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة.
فانس:
محادثات سويسرا أرست أساساً جيداً لاتفاق نهائي ناجح ينهي الحرب
واشنطن ستتأكد من أن أي إفراج محتمل عن أصول إيرانية لن يمول «الإرهاب»
خطة للإفراج عن الأصول الإيرانية مقابل شراء سلع أساسية ومنتجات زراعية أمريكية
إيران وافقت على عودة مفتشي الوكالة الذرية
حريصون على أمن إسرائيل وسيادة لبنان والمطلوب من إيران كبح جماح «حزب الله»