لم يعد الانقسام داخل إيران يدور فقط بين إصلاحيين ومحافظين، كما اعتادت التحليلات أن تقول. وفق تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، فإن الخلاف انتقل هذه المرة إلى داخل المعسكر المحافظ نفسه، بين جناح يريد استخدام التفاوض مع واشنطن لوقف النزيف العسكري والاقتصادي، وجناح أكثر تشدداً يرى أن أي تسوية مع الولايات المتحدة تعني هزيمة سياسية واستراتيجية.

وذكرت الصحيفة البريطانية في تقريرها أن رموز الجناح الأكثر تشدداً في إيران هاجموا مفاوضي بلادهم بشأن اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة، كاشفين عن انقسامات بين المشرّعين حول المدى الذي ينبغي أن تذهب إليه طهران في تقديم تنازلات لواشنطن من أجل إنهاء صراع مستمر منذ أشهر.

في قلب هذا الانقسام يظهر تيار «بايداري»، وهو تيار شديد التطرف بمعنى "الصمود والثبات"، له حضور داخل البرلمان ومواقع بارزة في وسائل الإعلام الرسمية. يرفض هذا التيار تقديم أي تنازلات في ملفين يعتبرهما من «الخطوط الحمراء»: السيطرة على مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني.

يريد «بايداري» أن تحتفظ إيران بالسيطرة على مضيق هرمز، وأن ترفض أي تنازل نووي. لكن الخلاف لا يتوقف عند حدود الموقف من واشنطن، حيث يمتد إلى داخل بنية السلطة الإيرانية نفسها: من يفاوض؟ ومن يقرر؟ ومن يملك التفويض؟

أحد أبرز رموز هذا الخلاف هو رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. فهو محافظ، وقائد سابق في الحرس الثوري، لكنه يُنظر إليه بوصفه الأكثر قدرة على داخل النظام. ووفق التقرير، فإن قاليباف يقود المفاوضات، الأمر الذي أثار غضب خصومه من المتشددين جداً، الذين اتهموه بتجاوز التفويض الممنوح له من المرشد الجديد مجتبى خامنئي.

هنا يظهر الرمز الثاني في هذا المشهد: محمود نبويان، البرلماني المتشدد البارز المتحالف مع «بايداري». دعا نبويان كلاً من قاليباف والمسؤول الأمني الرفيع محمد باقر ذو القدر إلى الإصرار على شروط قصوى. بل قال إن الحرب حوّلت إيران إلى «قوة عظمى».

ومن هذا المنطلق يرفض نبويان إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل إلا إذا رفعت الولايات المتحدة «كل» عقوباتها بموافقة الكونغرس، وقدّمت ضمانات ضد أي عقوبات مستقبلية.

ويذهب نبويان أبعد من ذلك، إذ يطرح ما يقول إنها شروط خامنئي للاتفاق: إدارة إيرانية حصرية لمضيق هرمز، وفرض رسوم على الشحن، ومنع السفن المرتبطة بإسرائيل، والحصول على تعويضات أميركية عن أضرار الحرب. وفي رأيه، أي اتفاق لا يحقق هذه الشروط سيجعل إيران «خاسرة بالكامل»، والولايات المتحدة «رابحة بالكامل».

إلى جانب نبويان، يظهر اسم محسن منصوري، وهو متشدد جداً آخر. وهاجم منصوري البراغماتيين الذين يقودون المفاوضات، وقال إنهم «يكافحون من أجل اتفاق فاشل أصلاً مع قتلة المرشد»، في إشارة إلى اغتيال علي خامنئي، والد مجتبى خامنئي، في بداية الحرب يوم 28 فبراير.

تكشف تصريحات رموز «بايداري» محاولة واضحة لإقحام هذا الفصيل في مسار التفاوض، أو على الأقل عرقلة أي تسوية لا تتطابق مع شروطه القصوى.

في الجهة الأخرى من المشهد، يقف معسكر آخر متشدد أيضاً لكن يعترف بلحظة ضعف إيران الحالية. رموزه الأساسية، وفق تقرير فاينناشال تاسمز، هم قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إضافة إلى شخصيات أمنية مثل محمد باقر ذو القدر، الذي عُيّن أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي.

هذا المعسكر يظهر في التقرير بوصفه خليطاً من محافظين براغماتيين وإصلاحيين ومسؤولين أمنيين يدركون أن استمرار الحرب والتصعيد يضغط على الدولة والمجتمع والاقتصاد. ولذلك يركز المفاوضون، وفق الصحيفة، على تأمين إطار أولي لتعليق الحرب.

لكن فصيل «بايداري» لا يزال يملك القدرة على التعطيل. فوفق محللين تحدثت إليهم الصحيفة، يحتفظ المتشددون بما يكفي من النفوذ لتعقيد المفاوضات، وتأخير القرارات، ورفع سقف التوقعات بين أنصار إيران.

ونقلت الصحيفة عن مطلع داخل النظام قوله إن أعضاء «بايداري» أصبحوا مثل «مريض لم يعد ممكناً علاجه»، وإنهم مسؤولون جزئياً عن فقدان الناس ثقتهم بسياساتهم، مضيفاً أن البلاد «لم تعد قادرة على تحملهم».

تقرير «فايننشال تايمز» يرسم إذاً خريطة انقسام واضحة داخل إيران:

في طرف أول، فصيل «بايداري» ورموزه مثل محمود نبويان ومحسن منصوري، وهم يدفعون نحو شروط قصوى، ورفض التنازلات، واستمرار التصعيد، والتشدد السياسي والاجتماعي.

وفي طرف ثان، جناح يدرك ضعف إيران، يضم محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي ومسعود بزشكيان، ويركز على وقف التصعيد، وتخفيف أزمة المضيق، وفتح مسار تفاوضي أوسع.

الخلاصة أن إيران، وفق تقرير الصحيفة تواجه سؤالاً داخلياً: هل تملك القيادة الإيرانية قراراً موحداً؟