تأرجح المشهد في مضيق هرمز بين خطاب ردع أمريكي عالي السقف، ومحاولة التأكيد على صمود وقف إطلاق النار، في وقت تبدو واشنطن حريصة على تثبيت معادلة مزدوجة مفادها حماية حرية الملاحة من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، مع التأكيد على بقاء الإصبع على الزناد.
في هذا السياق يندرج تلويح وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) برد «مدمّر» على أي هجمات تستهدف السفن التجارية في المضيق، غداة موجة من الهجمات التي أعادت التوتر إلى الممر المائي الحيوي ووضعت الهدنة الهشة بين الطرفين تحت ضغط ميداني مباشر.
فهذا التهديد عالي السقف يتزامن مع تأكيدات عسكرية بأن القوات الأمريكية جاهزة لاستئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران فور صدور الأوامر، ما يعكس مستوى عالياً من الجاهزية يتجاوز الطابع المعلن والمتبع إلى حد كبير حتى اللحظة.
وقد بدأت واشنطن ترجمة هذه المقاربة ميدانياً، يوم الاثنين، عند إطلاق عملية «مشروع الحرية»، التي تهدف إلى مرافقة السفن العالقة في الخليج وتأمين عبورها مضيق هرمز، بعد أن فرضت حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية. وتقدّم هذه العملية نفسها كإجراء «مؤقت ومنفصل ودفاعي»، لكنها في جوهرها تريد التأكيد على تثبيت الحضور العسكري الأمريكي المباشر داخل الممر، والتأسيس عملياً لممرات عبور محمية بالقوة.
ضبط الإيقاع
وحاول وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، ضبط إيقاع الرسائل بين التهدئة والردع، إذ أكد أن الولايات المتحدة «لا تسعى إلى مواجهة» في المضيق، لكنه أرفق ذلك بلهجة حاسمة، محذّراً من أن أي هجوم إيراني سيُواجَه بقوة نارية مدمّرة. ومضى أبعد من ذلك بتوجيه خطاب مباشر إلى طهران: «إذا هاجمتم القوات الأمريكية أو السفن التجارية المدنية، فستواجهون قوة نارية أمريكية ساحقة ومدمّرة»،
في تعبير واضح عن خطوط حمراء تسعى واشنطن إلى ترسيخها.وفي معرض شرحه لطبيعة التحرك الأمريكي، شدد هيغسيث على أن مهمة هرمز تختلف عن العملية العسكرية الأوسع ضد إيران المعروفة باسم «الغضب الملحمي»، مؤكداً أنه لا ينبغي اعتبارها امتداداً لها، في محاولة للفصل بين إدارة أزمة الملاحة الحالية، وأي مسار تصعيدي أوسع قد يُفرض لاحقاً بقرار من واشنطن. وأشار هيغسيث إلى أن الهدف المعلن يتمثل في «إرشاد» أكثر من 22500 بحار عالقين على متن ما يزيد على 1550 سفينة للخروج من الخليج،
مع توقع أن «يتدخل العالم» في معالجة الأزمة، في إشارة ضمنية إلى دعوة لتقاسم العبء الدولي.وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن سفينتين تجاريتين ترفعان العلم الأمريكي تمكنتا من عبور المضيق «بنجاح» تحت حماية عسكرية، في أول اختبار عملي للممر الآمن الذي تسعى واشنطن إلى تكريسه، رغم استمرار المخاطر الأمنية.الهدنة صامدةورغم هذه المؤشرات التصعيدية، حرصت واشنطن على إبقاء خطاب سياسي يؤكد استمرار وقف إطلاق النار، حيث جدد هيغسيث تأكيد أن الهدنة «لا تزال قائمة» رغم الضربات الإيرانية المحدودة والحصار البحري، مكرراً موقف رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، الذي قال بوضوح: «لا، لم ينته وقف إطلاق النار».
احتواء
هذا الإصرار يعكس رغبة أمريكية في احتواء الاشتباك ضمن سقف محسوب، يمنع الانفجار الشامل من دون التراجع عن سياسة الضغط.في المقابل، أظهر العرض العسكري الأمريكي حجم الاستعداد الكامن خلف هذا الخطاب. الجنرال دان كين أعلن أن القيادة المركزية وسائر القوات المشتركة «تبقى على أهبة الاستعداد» لاستئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران، محذراً من تفسير «ضبط النفس الحالي» على أنه ضعف.
وكشف عن انتشار مدمرات مزودة بصواريخ موجهة في الممر الآمن، إلى جانب أكثر من 100 مقاتلة ونحو 15 ألف جندي، ما يضع المنطقة عملياً تحت مظلة قوة جاهزة للانتقال من الردع إلى الهجوم في أي لحظة.احتكاك مستمر
وكان قائد القيادة المركزية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر، قد أشار إلى أن القوات الأمريكية دمرت ستة زوارق إيرانية وأسقطت صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت سفناً عسكرية وتجارية، في سلسلة اشتباكات تعكس احتكاكاً مستمراً منخفض الوتيرة.ومع ذلك، سعت القيادتان السياسية والعسكرية في واشنطن إلى توصيف هذه المواجهات ضمن إطار محدود، حيث شدد هيغسيث على أن وقف إطلاق النار «لا يزال صامداً في الوقت الراهن»، في حين وصف كين هذه المواجهات بأنها «نيران مزعجة محدودة» لم تصل إلى مستوى يستدعي استئناف الحرب الواسعة.
وبين هذا التوصيف الميداني والانتشار العسكري الكثيف، تتبلور صورة مشهد معقّد؛ تهدئة معلنة، وردع مشدد، واستعداد دائم لسيناريو مختلف إذا ما اختلت قواعد الاشتباك.تحت السيطرةوفي ضوء هذا التوازن الهش،
تتجه الأنظار إلى المسار الذي قد تسلكه الأزمة في الأيام المقبلة، حيث يبدو أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار منهجية «احتكاك تحت السيطرة»؛ أي إبقاء الاشتباكات محدودة ودون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع مواصلة الولايات المتحدة فرض ممرات آمنة للملاحة تحت حماية عسكرية مباشرة. غير أن هذا السيناريو يبقى مشروطاً بقدرة الطرفين على ضبط الإيقاع الميداني،
إذ إن أي هجوم نوعي يستهدف سفينة تجارية كبرى أو يؤدي إلى خسائر بشرية قد يدفع واشنطن إلى تفعيل تهديداتها والانتقال إلى رد واسع يعيد خلط الأوراق. في المقابل، لا يُستبعد أن تلجأ طهران إلى تكتيك «الضغط دون الانفجار»، عبر هجمات منخفضة الكثافة تُبقي المضيق في حالة توتر دائم وعدم تجاوز العتبة التي تستدعي حرباً مفتوحة.