أرقام نشرها موقع «أكسيوس» نقلاً عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية تقول إن الحصار البحري المفروض على إيران منذ 13 أبريل الماضي كلف طهران ما لا يقل عن 4.8 مليارات دولار من عائدات النفط، وهو رقم يعكس أن ما بدأ إجراءً بحرياً تحوّل في الواقع إلى ضربة اقتصادية موجعة تطال شرياناً رئيسياً في الاقتصاد الإيراني.

الإجراءات الأمريكية لم تقتصر على تشديد العقوبات أو الملاحقة المالية المعتادة، بل انتقلت إلى مستوى ميداني مباشر، أعادت خلاله القوات البحرية توجيه أكثر من 40 سفينة حاولت عبور المنطقة محملة بالنفط أو البضائع، فيما جرى احتجاز سفينتين مع كامل حمولتيهما. وبحسب البيانات ذاتها، فإن 31 ناقلة نفط إيرانية تحمل نحو 53 مليون برميل لا تزال عالقة في مياه الخليج غير قادرة على الوصول إلى وجهاتها.

مخازن عائمة

ومع امتلاء منشآت التخزين البرية، لجأت طهران إلى استخدام ناقلات قديمة كمخازن عائمة، في مشهد يختصر طبيعة الأزمة المتصاعدة. فبدل أن تكون الناقلات أداة تصدير، تحوّلت إلى عبء لوجستي إضافي يرفع كلفة التشغيل ويُضيق هامش المناورة. وفي الوقت ذاته، يقول سمير مدني، الشريك المؤسس لمنصة «تانكر تراكرز دوت كوم»، إن ناقلة إيرانية كبيرة سلكت مساراً بديلاً صعباً عبر سواحل باكستان والهند وصولاً إلى مضيق ملقا في ماليزيا، بحثاً عن نافذة لنقل نفطها إلى الصين. غير أن هذه الطرق، رغم فاعليتها المحدودة، ترفع كلفة النقل وتطيل زمن التسليم، ما يضعف القدرة التنافسية للنفط الإيراني في الأسواق الآسيوية.

وتوقّع مدني أن تحاول إيران تنفيذ «هروب جماعي» للناقلات حين تتراكم الكميات إلى مستويات حرجة، وهو سيناريو يبدو أن البحرية الأمريكية تضعه في حسبانها، إذ إن الهدف المعلن أمريكياً هو دفع إيران إلى بلوغ أقصى سعة تخزين، ما قد يفضي إلى توقف الإنتاج.

إنتاج النفط

اللافت أن تأثير الحصار لم يعد مقتصراً على حركة التصدير، بل بدأ ينعكس على مستويات الإنتاج نفسها. إذ نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مسؤول إيراني أن طهران شرعت في خفض إنتاجها النفطي تجنباً لبلوغ السعة التخزينية القصوى، مشيراً إلى أن نحو 30% من المكامن النفطية قد تتأثر بهذا الخفض. وهو تطور يحمل دلالة مهمة، إذ يعني أن الأزمة انتقلت من الضغط الخارجي إلى التأثير المباشر على قرارات الإنتاج الداخلية، وأن الأضرار لم تعد ظرفية بل قد تمتد إلى البنية الإنتاجية على المدى المتوسط. وبحسب تقديرات نقلتها «بلومبرغ» عن مسؤولين أمريكيين فإن إيران لا تملك سوى شهر واحد، وربما أقل بمستويات الإنتاج الحالية، قبل أن تبلغ الطاقة التخزينية ذروتها.

في مقابل ذلك، تؤكد واشنطن أن الاستراتيجية تسير وفق المخطط. صرّح المتحدث باسم «البنتاغون» جويل فالديس بأن العمليات «تعمل بكامل قوتها وتحقق التأثير الحاسم المطلوب»، مؤكداً أن الضغط سيستمر بلا هوادة. وذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أبعد من ذلك في تصريحات نقلتها «رويترز»، واصفاً احتجاز السفن بأنها «تجارة مربحة جداً»، في رسالة تعكس نهجاً يقوم على تعظيم كلفة المواجهة على إيران اقتصادياً وسياسياً في وقت واحد.

وفي خضم هذه الضغوط، قال مسؤول إيراني كبير في تصريحات لـ«رويترز»، إن المقترح الإيراني الأخير كان يقضي بفتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري قبل الدخول في أي مفاوضات نووية، مع إرجاء النقاش حول البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة، على أن تحصل طهران على ضمانات بعدم استئناف الضربات الأمريكية والإسرائيلية، والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية. مقترح وصفه المسؤول بأنه «تحوّل مهم» لتسهيل التوصل إلى اتفاق، غير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه.

ما يجعل المشهد الراهن مختلفاً عن أنماط العقوبات السابقة، أن الأمر لم يعد يقتصر على تقييد التعاملات المالية التي اعتادت طهران الالتفاف عليها، بل بات يمتد إلى عرقلة حركة النفط نفسها. وفي لحظة يتقاطع فيها الضغط الاقتصادي مع حدود القدرة التشغيلية، لا يبدو السؤال ما إذا كانت إيران ستتأثر.. بل إلى أي مدى يمكنها الاستمرار قبل أن يتحول الضغط إلى كلفة لا يمكن احتواؤها؟