مع دخول الحصار البحري الأمريكي على موانئ إيران يومه الرابع، تحول مضيق هرمز من ورقة ابتزاز إيرانية لتهديد أمن الطاقة العالمي إلى نقطة ضعف استراتيجية لطهران، حيث أدت سياسات التصعيد إلى حصار ذاتي، أضر بمصالحها الاقتصادية، مما يهدد بانهيار صادراتها النفطية وتحولها لعبء مالي وسياسي داخلي، ما أجبرها على الخضوع ومحاولة تقديم تنازلات في جولة المفاوضات المقبلة مع أمريكا وحديث عن شروط أمريكية صارمة تتعلق بالنووي وعدم فرض أي رسوم في المضيق وإنهاء دور إيران الإقليمي عبر الأذرع والميليشيات.
وأثبتت الوقائع أن عقلية التحدي في هرمز قد تؤدي إلى نتائج عكسية مدمرة لإيران، مما يحولها من «مبتز» إلى «ضحية» سياساتها، وفقاً لتحليلات أمريكية، حيث رهنت الإدارة الأمريكية إجراء مباحثات جديدة مع طهران بوجود «إمكانية حقيقية» لإحراز تقدم ملموس، لتجنب تكرار تعثر الجولات السابقة، ما يضع الكرة الآن في ملعب طهران لتقديم تنازلات تغري واشنطن بالعودة للتفاوض قريبا.
وكشفت صحف أمريكية أن الحشد العسكري الأمريكي في مضيق هرمز يعكس استراتيجية ضغط واضحة لدفع إيران إلى التفاوض بشروط مختلفة، فيما أبدت طهران ليونة غير معتادة حيث قالت انها تدرس السماح للسفن بالإبحار من مضيق هرمز دون تدخل أو هجوم في إطار اتفاق مع أميركا.
وقد تضطر طهران إلى البدء في خفض إنتاجها النفطي بصورة ملموسة خلال نحو أسبوعين إذا نجح الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية في خنق صادراتها. وقالت الصحف الأمريكية إن الحصار البحري والجوي الشامل وهو عملية عسكرية تتطلب نشر قوات بحرية وجوية كبيرة ورقابة جوية ورادارية أيضاً «بهدف غلق كافة الممرات الملاحية المؤدية للموانئ والأجواء الإيرانية، بهدف منع توريد أو تصدير السلع والبترول والغاز، لغرض شل الاقتصاد الإيراني.
حصار شامل
وقال سلاح البحرية الأميركية في بيان، إن الجيش وسّع الحصار البحري المفروض على إيران، ليشمل الشحنات التي تُعد مهربة، وذكر أن أي سفينة يُشتبه في محاولتها الوصول إلى الأراضي الإيرانية فستخضع للتحقق والتفتيش.وأضافت «البحرية»، في بيان حُدّث بعد فرض الحصار يوم الاثنين: «هذه السفن، بغض النظر عن موقعها، ستخضع للتفتيش والصعود إلى متنها ومصادرة البضائع»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.
وتشمل البضائع المهربة الأسلحة وأنظمة الأسلحة والذخائر والمواد النووية والنفط الخام والمنتجات المكررة، بالإضافة إلى الحديد والصلب والألمنيوم. وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، عن ملامح الخطة الأمريكية لإخضاع طهران عبر «حرب استنزاف» اقتصادية وبحرية، مؤكدة جاهزية البيت الأبيض للاستمرار في هذا المسار حتى تحقيق أهدافه التفاوضية.
وطمأن مسؤول عسكري أمريكي الدوائر السياسية بشأن الاستدامة العملياتية للقوات البحرية و أكد المسؤول أن البحرية الأمريكية تملك كافة الإمكانيات لمواصلة الحصار البحري إلى أجل غير مسمى. وتهدف هذه التصريحات إلى إفهام طهران أن الرهان على تعب القوات الأمريكية أو تراجعها هو رهان خاسر. حيث تشعر إيران بألم اقتصادي حقيقي يدفعها إلى التراجع عن مواقفها المتشددة في المفاوضات وهو ما يفسر حالة التريث الأمريكية في رسم صفقة نهائية.
تنازلات
وقال خبراء إن إيران قد تقدم على تنازلات مهمة في ملف اليورانيوم المخصب، خاصة في ظل التهديدات الأمريكية المتصاعدة بنسق الاقتصاد وهو وضع لا يمكن للدولة الإيرانية ولا للشعب الإيراني تحمله لفترة طويلة. فيما لا تزال واشنطن تبقي الباب موارباً للحل السياسي عبر الوساطة الباكستانية
قالت وكالة «أسوشيتدبرس»: إن إدارة ترامب تُمهّد الطريق لتحويل حملتها الحربية على إيران نحو جهد اقتصادي يهدف إلى إخضاع طهران بدلاً من الاعتماد على القنابل وحدها، وذلك ما لم تتمكن الولايات المتحدة وإيران من التوصل قريباً إلى اتفاق لإنهاء الحرب أو تمديد وقف إطلاق النار الذي ينتهي الأسبوع المقبل.
تصعيد الضغط
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، قد صرح للصحفيين في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض مساء الأربعاء بأن الولايات المتحدة تعتزم تصعيد الضغط الاقتصادي على إيران، وقال إن الخطوات الجديدة ستكون بمثابة «المكافئ المالي» لحملة القصف.
ويمثل التهديد بفرض عقوبات اقتصادية ثانوية على الدول التي تتعامل تجارياً مع الأفراد والشركات والسفن الخاضعة للسيطرة الإيرانية تصعيداً للعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة بالفعل. من جهتها أفادت شبكة «سي إن إن» الأمريكية في تحليل لها، بأن واشنطن، من خلال بدء حصارها لمضيق هرمز، تسعى إلى إجبار الصين على ممارسة الضغط على إيران لإعادتها إلى طاولة المفاوضات.
يمنع الحصار إبحار السفن من وإلى الموانئ الإيرانية، مما يوقف فعلياً حوالي 2 مليون برميل من النفط الإيراني يومياً، مع تفتيش السفن المحايدة. والحصار البحري، ولا شك، إذا ما استمر فترة طويلة فسوف يؤدي إلى انكماش اقتصادي في إيران،
فالمضيق يُعتبر منفذها الأساسي، ليس فقط لتصدير البترول، ولكن للحصول على كافة احتياجاتها الغذائية. وتظهر تقديرات وكالة الطاقة الدولية حجم الاختناق في المضيق بصورة أوضح، إذ قالت إن عدد السفن العابرة لهرمز هبط من أكثر من 100 سفينة يومياً قبل الحرب إلى عدد محدود، بينما بقيت نحو 350 ناقلة نفط، محملة وفارغة، عالقة على جانبي المضيق بانتظار العبور، مع قفزة حادة في
تكاليف التأمين
اقتصادياً، يستهدف هذا المسار تضييق الخناق على صادرات النفط الإيرانية، في محاولة لإعادة إنتاج سياسة «الضغوط القصوى» ولكن بأدوات أكثر تأثيراً. أما عسكرياً، فهو يشكل اختباراً دقيقاً لقدرة إيران على حماية مجالها البحري دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.
خسائر يمكن أن يؤدي حصار الولايات المتحدة البحري لمضيق هرمز إلى إلحاق ضرر بالاقتصاد الإيراني بنحو 276 مليون دولار يومياً؛ نتيجة انخفاض الصادرات، كانت إيران تصدر نحو 1.5 مليون برميل يومياً من النفط، وبأسعار زمن الحرب (نحو 87 دولاراً للبرميل) كانت تحقق نحو 139 مليون دولار يومياً. ومع أن جزءاً صغيراً فقط من هذه العائدات يعود إلى البلاد بسبب العقوبات المصرفية، فإن الحصار سيجعل هذا الدخل ينعدم عملياً بين ليلة وضحاها.
