تعتبر الألغام البحرية في مضيق هرمز تحدياً غير تقليدي في الحروب. وحسب خبراء في «المعهد البحري الأمريكي» (USNI)، يكمن التحدي في أن جغرافيا المضيق، التي تتميز بتيارات مائية قوية وقاع متغير التضاريس، تمنح الألغام قدرة عالية على التخفي، ما يجعل عملية البحث عنها معقدة تقنياً.

ويجمع الخبراء العسكريون والمهندسون البحريون على أن مضيق هرمز يمثل البيئة الأصعب عالمياً لعمليات مكافحة الألغام، ليس فقط بسبب التوترات السياسية، بل نتيجة لخصائصه الهيدروغرافية المعقدة. فالمضيق يتميز بتيارات مائية قوية، وقاع بحري غير منتظم، يجمع بين التكوينات الصخرية والترسبات الرملية المتحركة، وهي عوامل تمنح الألغام قدرة طبيعية على التمويه والاختفاء من رادارات السونار التقليدية.

لكن هذا لا يعني أن تطهير المضيق عملية غير قابلة للتنفيذ. فوفقاً لتقارير متخصصة، تعتمد استراتيجية التطهير في حال تبنتها الولايات المتحدة بالتعاون مع الخبرات البريطانية على ثلاث مراحل تقنية متداخلة. تبدأ المرحلة الأولى باستخدام المركبات الذاتية القيادة تحت الماء (UUVs) مثل منظومة «Mk 18 Mod 2 Kingfish». هذه الأجهزة تقوم بمسح قاع المضيق وبناء خرائط رقمية عالية الدقة، حيث تعتمد على سونار المسح الجانبي لتمييز الأجسام الغريبة. ويؤكد الخبراء أن هذه المرحلة هي الأكثر استهلاكاً للوقت، فالبحث عن لغم صغير في مساحة مائية واسعة يشبه البحث عن إبرة في كومة قش، خاصة مع وجود «الضجيج البيئي» الناتج عن كثافة الملاحة التجارية التي تشوش على المستشعرات الصوتية.

المرحلة الثانية تتعلق بالتمييز والتحييد؛ وهنا يبرز الدور البريطاني من خلال كاسحات الألغام من فئة «Hunt» و«Sandown». هذه السفن مجهزة بأنظمة سونار متطورة جداً قادرة على اختراق الطبقات الرملية للكشف عن «الألغام الغاطسة» التي تدفن نفسها في القاع.

وحسب تحليلات معهد «RUSI» للدراسات الدفاعية، فإن التحدي التقني الأكبر يكمن في الألغام التي تعمل بـ«البصمة المتعددة»، وهي ألغام لا تنفجر إلا إذا استشعرت مزيجاً محدداً من الصوت والمغناطيسية وضغط الماء، ما يجعل محاكاتها أو خداعها بواسطة أجهزة التحييد التقليدية أمراً غاية في الصعوبة.

التدمير عن بُعد

أما عن آفاق القدرة على نزعها، فيشير قادة سابقون في الأسطول الخامس الأمريكي إلى أن العلم العسكري الحالي انتقل من تدمير اللغم يدوياً عبر الغواصين إلى التدمير عن بُعد باستخدام مركبات «SeaFox». هذه المركبات هي صواريخ صغيرة تحت مائية مزودة بكاميرات وسونار، يتم توجيهها نحو اللغم لتفجيره في مكانه. ورغم هذه الكفاءة التقنية، يظل «عامل الوقت» هو العائق الاستراتيجي؛ فعملية فتح ممر ملاحي آمن تماماً تتطلب مسحاً متكرراً للتأكد من عدم وجود «ألغام موقوتة» مبرمج استشعارها ليتفعل بعد مرور عدد معين من القطع البحرية. بالتالي، فإن القدرة على نزع الألغام قائمة ومضمونة تقنياً، لكنها تظل عملية بطيئة قد تستغرق أسابيع من العمل المتواصل تحت حماية جوية وبحرية مكثفة، ما يعني أن الممر سيظل معطلاً فعلياً حتى لو توفرت أدوات النزع.

ويؤكد بريان كلارك، الخبير في العمليات البحرية بمعهد هدسون، أن التحدي ليس في تدمير اللغم، بل في «معدل الثقة»، إذ إن فتح الممر الملاحي يتطلب ضمان خلوه بنسبة 100%، وهو أمر يستغرق وقتاً طويلاً، لأن كاسحات الألغام البريطانية من فئة «Hunt» والأمريكية من فئة «Avenger» يجب أن تتحرك ببطء شديد لمسح الممرات الضيقة بدقة.

ويرى محللون تقنيون أنه يمكن للتكنولوجيا الحديثة تحييد اللغم خلال دقائق من اكتشافه، رغم أن العثور على مئات «الألغام النائمة» في قاع المضيق قد يستغرق أسابيع.

كما يحذر خبراء من «الألغام الموقوتة» التي تبرمج لتنفعل بعد مرور عدد معين من السفن، تفرض على القوات الدولية إجراء عمليات مسح مستمرة ودورية حتى بعد إعلان تطهير المنطقة.