تواجه إيران عزلة دبلوماسية متصاعدة، وملاحقة أممية متزايدة، في ظل استبعاد ممثليها من عدد من الدول، عقب عدوانها على دول الجوار، وتهديدها لحركة الملاحة الدولية، ما يفاقم الضغوط المتلاحقة على نظامها، ويضعه في مواجهة مباشرة مع الإرادة الدولية.

وانضمت الأرجنتين إلى أمريكا وأوروبا وعدد من الدول، بتصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية، ما يعكس موجة دولية متصاعدة نحو تشديد الخناق على نفوذ طهران، بعد سلسلة تحركات مشابهة، شهدتها عواصم غربية، وتنامي الوعي الدولي بمدى خطورة المنظمة، وتهديدها للمصالح في العالم.

ومنذ عام 2006، بدأ مجلس الأمن الدولي مسار قراراته تجاه طهران، بالقرار 1696، الذي طالبها بوقف تخصيب اليورانيوم، تلاه القرار 1737، بفرض أولى العقوبات، ثم القرار 1747، الذي وسّع الحظر، ليشمل تصدير السلاح، وصولاً إلى القرار 1803، الذي شدد القيود المالية، ثم القرار 1929 عام 2010، الذي فرض عقوبات واسعة، استهدفت قطاعات الشحن والبنوك والأسلحة الثقيلة.

قرارات دولية

ومع التطورات الأخيرة، عاد الملف الإيراني إلى صدارة الاهتمام الدولي، حيث عقد مجلس الأمن الدولي مطلع أبريل الجاري جلسة لبحث تداعيات العدوان الإيراني على دول الجوار وحركة التجارة العالمية، عبر مضيق هرمز، بالتوازي مع قرارات دولية عززت الضغوط على طهران، في ظل اتهامات بتهديد أمن المنطقة، حيث أكد مجلس الأمن الدولي التزامه الراسخ بسيادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، واستقلالها ووحدة أراضيها، وسلامتها الإقليمية، مشيداً بالدور الذي تضطلع به في دعم السلم والأمن الدوليين.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، شهد الشهر الأخير موجة غير مسبوقة من الإجراءات ضد ممثلي إيران، حيث استدعت عدة دول خليجية دبلوماسيين إيرانيين، وقلّصت مستوى التمثيل، في تعبير واضح عن اتساع دائرة الرفض لسلوك طهران. كما أعلن لبنان طرد السفير الإيراني في بيروت، واعتباره «شخصاً غير مرغوب فيه»، في خطوة تعكس تصاعد التوتر، على خلفية الدور الإيراني في المشهد الإقليمي.

تحول نوعي

ويرى محللون أن هذه الإجراءات تمثل تحولاً نوعياً في التعاطي الدولي مع إيران، إذ لم تعد القضية محصورة في الملف النووي، بل امتدت لتشمل الأمن الإقليمي وحرية الملاحة، فضلاً عن قضايا حقوق الإنسان، التي أثارتها تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

ويؤكد خبراء أن تصاعد هذه الضغوط، يعكس انتقال المجتمع الدولي من سياسة الاحتواء، إلى نهج أكثر صرامة، قائم على العزل التدريجي، والضغط متعدد الأبعاد.

في هذا السياق، يؤكد الباحث السياسي أحمد المصري، أن إيران باتت تجني ثمار سياساتها العدوانية، حيث انعكست في صورة عزلة دولية متزايدة، وتراجع في الثقة الدولية.

ويرى أن إصرار طهران على العدوان وتهديد أمن الخليج والملاحة، يعد نهجاً عدوانياً وإرهابياً ويؤكد دورها كمصدر لتهديد استقرار المنطقة والعالم .

ويشير المصري إلى أن هذه العزلة، هي نتيجة مباشرة لتجاهل إيران قرارات مجلس الأمن، وآخرها القرار 2817 لعام 2026، إلى جانب اتساع دائرة الملفات الخلافية، ما دفع دولاً عدة إلى اتخاذ إجراءات صارمة، وصلت إلى طرد ممثليها الدبلوماسيين.

ويخلص المصري إلى أن استمرار هذا النهج، أدى إلى تآكل أدوات النفوذ الإيراني، وتحول دبلوماسيتها من وسيلة تأثير، إلى عبء سياسي، في ظل تصاعد الرفض الدولي، ما يضع طهران أمام خيارين: إما مراجعة سياساتها، أو مواجهة عزلة متفاقمة، تمتد آثارها لسنوات قادمة.

نمر من ورق

بدوره، يرى المحلل السياسي الكويتي عبد العزيز القناعي، أن ما تواجهه إيران اليوم من عزلة دبلوماسية وأممية وشعبوية متصاعدة، ليس مفاجئاً، بل هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من العدوان والتضليل، مؤكداً أن طهران «ليست سوى نمر من ورق»، اعتمدت على الخطاب الدعائي والشعارات، أكثر من اعتمادها على قوة حقيقية راسخة.

ويشير إلى أن الصورة التي رُسمت لإيران كقوة كبرى، كانت، في جانب منها، نتاجاً لخطابات أيديولوجية روّج لها بعض المثقفين في العالم العربي، ممن فقدوا، بحسب وصفه، بوصلة العقلانية، واستسلموا لشعارات لم تحقق إنجازاً يُذكر.

ويؤكد القناعي أن المشروع الإيراني، الذي استند إلى فكرة «تصدير الثورة»، وبناء النفوذ عبر الأذرع الإقليمية، وصل اليوم إلى مرحلة الانهيار، بعد أن انكشفت أدواته في دول مثل لبنان والعراق واليمن، مشيراً إلى أن هذه الأذرع لم تعد تمثل عناصر قوة، بقدر ما أصبحت عبئاً سياسياً وأمنياً يفاقم عزلة طهران، ويُسرّع من تآكل نفوذها.

ويصف القناعي العدوان الإيراني بأنه «نزع أخير»، لنظام يسعى إلى بث الرعب قبل تآكله، موضحاً أن هذه التحركات لم تعد تُقرأ كاستراتيجية قوة، بل كدليل على محدودية الخيارات، واقتراب لحظة الانكشاف الكامل.

ويعتبر القناعي أن الإجراءات الدبلوماسية الأخيرة، من طرد دبلوماسيين إيرانيين، وإغلاق بعض البعثات، أو تقليص دورها، تمثل رداً مستحقاً على ما وصفه بتجاوز الأعراف الدبلوماسية، حيث تحولت هذه البعثات إلى أدوات لخدمة أجندات سياسية وأمنية، تتجاوز العمل الدبلوماسي التقليدي.

ويخلص إلى أن العالم بات يرى إيران على حقيقتها السياسية والعقائدية والعسكرية، دولةً تُفاقم التوتر وتهدد الاستقرار، مشيراً إلى أن رهاناتها على إضعاف دول الخليج، أو اختبار إرادة القوى الكبرى، لم تحقق أهدافها، بل أسهمت في تعميق عزلتها.