في الحرب الثانية الجارية حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، توجد عوامل تدفعها لتكون مدتها قصيرة، وعوامل أخرى لتكون مدتها أطول مما قدرت الإدارة الأمريكية هذه المرة، وبينما تتسارع التطورات الميدانية، ومنها مقتل المرشد علي خامنئي، وعدد من كبار القادة في الضربات، يبرز سؤال جوهري إلى الواجهة: هل يمكن لهذه الحرب أن تنهي خطر البرنامج النووي الإيراني فعلاً، أم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سينهيها بصفقة؟
خبراء في الشؤون الاستراتيجية يرون أن الضربات الجوية، مهما بلغت دقتها واتساع نطاقها، قد تحدث أضراراً كبيرة في البنية التحتية النووية، لكنها لا تعني بالضرورة إنهاء البرنامج بالكامل. فيما يرى آخرون أن حجم الضربات وطبيعتها قد يفرض واقعاً جديداً، خصوصاً إذا طالت مراكز التخصيب الرئيسية ومخازن المواد الحساسة، مؤكدين أن إضعاف البنية النووية قد يعيد البرنامج سنوات إلى الوراء، ويمنح المجتمع الدولي وترامب فرصة لإعادة صياغة اتفاق أكثر صرامة، يضع قيوداً واضحة، وقابلة للتحقق.
يرى محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة بالمغرب، أن الملف النووي الإيراني يختلف عن كثير من الأزمات الدولية المعاصرة، إذ يقوم بدرجة كبيرة على الشكوك المتبادلة أكثر مما يقوم على وقائع علمية مؤكدة بشكل قاطع.
ويشير إلى أن الهدف المعلن لواشنطن وتل أبيب لا يقتصر على تحييد البرنامج النووي، بل يتجاوز ذلك إلى إحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني، بما يشمل تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الحلفاء الإقليميين. وإذا تحقق هذا الهدف الواسع فقد يفتح الباب أمام سلطة جديدة أكثر ميلاً إلى الانخراط في ترتيبات دولية ملزمة تحد من الطموحات النووية، لكن بوبوش يحذر من أن الضربات الجوية، رغم استهدافها منشآت حساسة وبنى بحثية، لا تكفي وحدها للقضاء على برنامج نووي متجذر، يمتلك خبرات بشرية وبنية معرفية قابلة لإعادة البناء.
ووفق تقديره، تتراوح السيناريوهات بين نجاح جزئي يؤخر الخطر على المدى القصير، وبين احتمال عقد صفقة خاصة في ظل اصطفافات دولية.
ويخلص بوبوش إلى أن الحسم العسكري وحده لا يوفر ضمانة نهائية لإنهاء «الشبح النووي»، وأن أي معالجة مستدامة تتطلب مساراً سياسياً ودبلوماسياً موازياً.
بينما يقول خبير العلاقات الدولية د. محمد شكريد، إن الحرب على إيران سبق أن حققت جانباً مهماً من أهدافها في المواجهة الماضية، ولا سيما في ما يتعلق بإبعاد شبح البرنامج النووي، بعد استهداف المفاعلات والمنشآت الحساسة وضرب البنية التحتية النووية في عمقها. ويضيف أن تراجع نفوذ بعض أذرع إيران الإقليمية، أضعف شبكة التأثير التي شكلت لعقود ركيزة استراتيجية لطهران.
ويقول شكريد، إن التطورات الأخيرة، بما في ذلك استهداف قيادات بارزة في هرم السلطة، تطرح تساؤلات حاسمة حول مدى قدرة ما تبقى من مؤسسات النظام على الصمود، وما إذا كانت واشنطن وتل أبيب ستواصلان الهجمات حتى إحداث تغيير كامل في بنية الحكم، أم ستكتفيان بإعادة تشكيل موازين الردع وفرض معادلة جديدة. ويخلص خبير العلاقات الدولية إلى أن إيران بعد هذه الضربة ليست كما قبلها، وأن شكل النظام المقبل – أياً كانت طبيعته – سيجد نفسه أمام واقع إقليمي ودولي مختلف، قد يفرض عليه إعادة تموضع سياسي واستراتيجي عميق في علاقته بالولايات المتحدة.
