أعاد الزلزال الذي ضرب مصر عند الساعة الثالثة من فجر أمس، إلى الأذهان ذكريات زلزال 12 أكتوبر 1992، الذي يعد أحد أكثر الكوارث الطبيعية تأثيراً في التاريخ المصري الحديث، بعدما شعر به ملايين السكان في القاهرة الكبرى وعدد من المحافظات، في حين امتدت آثاره إلى مناطق في دول عربية مجاورة، الأمر الذي أثار حالة من القلق وأعاد ملف النشاط الزلزالي إلى واجهة الاهتمام.

ومع صدور البيانات الأولية حول قوة الزلزال التي بلغت 5.3 درجات على مقياس ريختر، تصاعدت تساؤلات الرأي العام بشأن الدلالات العلمية لهذه الهزة.

وما إذا كانت تمثل مؤشراً على دخول المنطقة مرحلة جديدة من النشاط الزلزالي، أم أنها تندرج ضمن الظواهر الجيولوجية الطبيعية المرتبطة بحركة الصفائح التكتونية وتحرر الطاقة المختزنة في باطن الأرض، دون أن تعني بالضرورة اقتراب وقوع زلازل كبرى.

ويؤكد متخصصون أن تقييم خطورة أي زلزال لا يعتمد على قوته فقط، بل يتأثر أيضاً بعمق البؤرة الزلزالية، وبعدها عن المناطق المأهولة، وطبيعة التكوينات الجيولوجية، ومستوى مقاومة المباني للهزات الأرضية، ما يجعل الشعور بهزة على نطاق واسع لا يعني بالضرورة أنها مدمرة أو مقدمة لزلزال أشد.

ويشير أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، د. عباس محمد شراقي، إلى أن الزلزال وقع في منطقة شرق البحيرات المرة بين السويس والإسماعيلية على امتداد قناة السويس على عمق 10 كيلومترات فقط، ما يفسر شعور المصريين به في نطاق جغرافي واسع.

وأوضح أن مركز الزلزال يبعد بنحو 120 كيلومتراً عن القاهرة، إلا أن قرب بؤرته من سطح الأرض جعل تأثيره أكثر وضوحاً، إذ شعر به سكان محافظات السويس والإسماعيلية وشمال وجنوب سيناء، إلى جانب القاهرة الكبرى وعدد من محافظات الدلتا.

وأشار شراقي إلى أن النشاط الزلزالي في مصر يتركز بصورة رئيسة في خليج السويس، وشمال البحر الأحمر، وخليج العقبة، وهي مناطق تقع ضمن امتداد الأخدود الإفريقي العظيم الذي يمتد من موزمبيق مروراً بشرق إفريقيا والبحر الأحمر حتى البحر الميت وتركيا، ويرتبط بالحركة المستمرة للصفائح التكتونية.

حيث تبتعد الصفيحة العربية عن الصفيحة الإفريقية بمعدل يقارب سنتيمترين سنوياً، ما يؤدي إلى اتساع البحر الأحمر تدريجياً ويجعل هذه المناطق أكثر نشاطاً زلزالياً.

لا مقارنة

وشدد على أن مصر ليست من الدول ذات النشاط الزلزالي المرتفع، إذ تقع بعيداً عن الأحزمة الزلزالية العالمية الكبرى، مثل حزام المحيط الهادئ والسواحل الغربية للأمريكتين، موضحاً أن الحديث عن انتقال الأحزمة الزلزالية إلى مصر لا يستند إلى أساس علمي.

وأضاف أن سجلات الرصد منذ عام 1900 تشير إلى أن مصر تسجل في المتوسط نحو 309 زلازل سنوياً، إلا أن معظمها ضعيف للغاية ولا يشعر به السكان، في حين تعد الزلازل التي تتجاوز قوتها خمس درجات قليلة الحدوث، أما الزلازل التي تقترب من ست درجات فتتكرر كل 30 إلى 35 عاماً تقريباً.

وفي معرض المقارنة مع زلزال عام 1992، أوضح شراقي أن قوته بلغت 5.8 درجات وعلى عمق 22 كيلومتراً، إلا أن آثاره كانت مدمرة بسبب وقوعه بالقرب من المناطق السكنية، وانتشار المباني القديمة وغير المطابقة لاشتراطات البناء آنذاك، ما أدى إلى وفاة نحو 561 شخصاً، وإصابة أكثر من 12 ألفاً، وتضرر أو انهيار نحو 129 ألف مبنى. وأكد أن المقارنة بين الزلزالين يجب أن تستند إلى معايير علمية تشمل موقع البؤرة وعمقها وطبيعة المنطقة، وليس إلى قوة الزلزال وحدها.

نشاط طبيعي

بدوره، يرى رئيس الجمعية السعودية لعلوم الأرض، الدكتور عبدالله العمري، أن زلزال الاثنين يندرج ضمن النشاط الزلزالي الطبيعي في منطقة خليج السويس.

مشيراً إلى أن الشعور به على مساحة واسعة يرجع إلى ضحالة عمقه، فضلاً عن الطبيعة الجيولوجية للقاهرة التي تقع فوق حوض رسوبي واسع يعمل على تضخيم الموجات الزلزالية، ما يجعل الإحساس بها أكبر حتى وإن كانت قوة الزلزال متوسطة.

وأكد العمري أن مقارنة هذا الزلزال بزلزال 1992 ليست صحيحة علمياً، لأن زلزال 1992 وقع في بيئة جيولوجية مختلفة، وكان أقرب إلى القاهرة، كما أن البنية العمرانية في ذلك الوقت كانت أقل قدرة على مقاومة الزلازل، وهو ما أسهم في تضاعف الخسائر.

وفيما يتعلق بالهزات الارتدادية، أوضح العمري أن تسجيل بعض الهزات اللاحقة بعد الزلزال الرئيس يعد أمراً طبيعياً ومتوقعاً، لكنها تكون عادة أضعف ولا تمثل مصدر قلق، مؤكداً أنه لا توجد مؤشرات علمية على احتمال حدوث تطورات استثنائية أو زلازل مدمرة خلال الفترة القريبة.

كما استبعد حدوث أمواج تسونامي نتيجة هذا الزلزال، موضحاً أن منطقة خليج السويس ليست من المناطق التي شهدت تاريخياً مثل هذه الظاهرة، والتي ارتبطت في شرق المتوسط بمناطق أخرى تقع شمالاً، مثل السواحل اللبنانية والسورية.

ويتفق الخبيران على أن زلزال فجر الاثنين يندرج ضمن النشاط الجيولوجي الطبيعي لمنطقة البحر الأحمر وخليج السويس، وأن التعامل مع مثل هذه الظواهر يجب أن يستند إلى الحقائق العلمية الصادرة عن الجهات المختصة، بعيداً عن الشائعات أو المقارنات غير الدقيقة، مؤكدين أن مصر لا تواجه في الوقت الراهن مؤشرات على نشاط زلزالي استثنائي، وأن ما حدث يمثل جزءاً من الدورة الطبيعية لحركة الأرض في المنطقة.