على مدى أكثر من عامين، كان الإسرائيليون منقسمين بمرارة حول الحرب في غزة. وبمساندة حركة احتجاجية واسعة، طالبت الأحزاب المعارضة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بأن تُنهي حكومته الحرب وأن تتوصل إلى صفقة لإعادة الرهائن الذين أُخذوا في 7 أكتوبر 2023.

ومع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ وعودة معظم الرهائن، بدأ تركيز المعارضة يتجه الآن للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة لتحديد المسؤولين داخل حكومة نتانياهو والمؤسسة الأمنية عن الإخفاقات الهائلة التي سمحت لـ«حماس» بتنفيذ أسوأ هجوم على الدولة اليهودية في تاريخها.

في الأشهر التي تلت هجوم 7 أكتوبر، رفض نتانياهو الدعوات لإطلاق تحقيق مستقلوالذي تُشرف عليه تاريخياً المحكمة العليا، بحجة أنه «لا يجوز القيام بذلك خلال الحرب». أما الآن، ومع انتهاء القتال، وتحت ضغط متزايد من المحكمة العليا، فقد غيّر موقفه.

وبات نتانياهو يوافق على فتح تحقيق، لكن عبر لجنة يُعيّنها نواب البرلمان وليس المحكمة، مبرّراً ذلك بأنها ستكون «أكثر تمثيلاً للإسرائيليين كافة». ويكرر نتانياهو وحلفاؤه التعبير عن عدم ثقتهم بالمحاكم. وسيُشرف رئيس الوزراء شخصياً على اللجنة التي ستحدد ولاية التحقيق وصلاحياته.

وأكّد مشرّعون في ائتلاف نتانياهو أن نطاق التحقيق يجب أن لا يقتصر على هجوم «حماس» قبل عامين، بل يشمل أيضاً اتفاقيات أوسلو لعام 1993، وكذلك تأثير الحركة الاحتجاجية ضد خطة نتانياهو لإصلاح القضاء على وقوع هجوم 7 أكتوبر.

وتبدو محاولة توسيع نطاق التحقيق لتشمل اتفاقية أوسلو وكأنها مخرج سياسي محسوب بعناية يمنح بنيامين نتنياهو مساحة للهروب من المساءلة المباشرة عن أحداث 7 أكتوبر. فبدلاً من أن يكون التحقيق منصبّاً على رواية المعارضة الإسرائيلية بشأن الإخفاقات الأمنية والاستخباراتية والسياسية التي سمحت لـ«حماس» بتنفيذ الهجوم الأكبر في تاريخ إسرائيل، يحاول نتنياهو خلق مشهد تتوزع فيه المسؤوليات عبر ثلاثة عقود، بحيث يتحول النقاش من سؤال: «من أخطأ في 2023؟» إلى سؤال: «من وضع الأساس للكارثة منذ التسعينيات؟». هذه المناورة تفتح باباً واسعاً لإعادة الحجج القديمة حول أوسلو وتقديمها اليوم كجذرٍ تاريخي للهجوم، بما يخفف الضغط السياسي عن الحكومة الحالية ويعيد توزيع اللوم على طيف سياسي أطول يمتد إلى اليسار الإسرائيلي.

من المتوقع - في حال إقرار هذه الآلية - أن يمنح هذا المسار نتنياهو شبكة أمان إذ يسمح له بتقديم نفسه ليس كمن أخفق في منع الهجوم، بل كمن يريد «كشف جذور المشكلة» التي سبقت كل الحكومات اللاحقة.

والأربعاء، مرّر البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) بصعوبة أولى ثلاث قراءات لازمة لإقرار اللجنة التي يقترحها نتانياهو. وصرخت عائلات ضحايا الهجوم من شرفات القاعة احتجاجاً، بينما مزّق نواب المعارضة نسخ المشروع داخل قاعة الكنيست.

وأصبحت هذه القضية ركيزة أساسية في حملة المعارضة السياسية ضد نتانياهو مع اقتراب البلاد من سنة انتخابية. فإسرائيل يجب أن تُجري انتخابات عامة بحلول نهاية أكتوبر 2026.

وتتكون المعارضة الإسرائيلية من أحزاب يمينية ويسارية، ما يجعل التركيز على ما يعتبره منتقدو نتانياهو «محاولة للتهرب من المسؤولية عن 7 أكتوبر» رسالةً موحدة يمكن أن تجمع صفوفهم.

ويقول المنتقدون إن نتانياهو يحاول الإفلات من المسؤولية عبر تعيين لجنة سياسية يستطيع تحديد صلاحياتها. ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن يعقوب كاتس، الباحث البارز في «معهد سياسات الشعب اليهودي» في القدس: «هذا بالفعل يوحّد المعارضة».

وقد استغلّ الساعون لمنافسة نتانياهو الانتخابات القادمة هذه القضية. وقال رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يخطط للترشح ضد نتانياهو: «في اللحظة التي نُشكّل فيها حكومتنا، سننشئ لجنة تحقيق رسمية مستقلة للتحقيق في فشل 7 أكتوبر».

وإذا وافق البرلمان على تشكيلها، فمن المرجّح أن تواجه اللجنة المقترحة طعوناً قانونية، بما في ذلك احتمال تقديم التماسات ضدها إلى المحكمة العليا. ففي نوفمبر الماضي، أصدرت المحكمة أمراً مشروطاً يطالب الحكومة بتفسير سبب عدم تأسيس لجنة تحقيق كما يفرض القانون للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر.