والتز: الاتفاقيات الإبراهيمية أثبتت صلابتها خلافاً لتوقعات الخبراء وتواصل التوسع

قائد «سنتكوم»: الأمن المستدام يتطلب شراكات قوية وتعاوناً مستمراً لمواجهة التهديدات المشتركة

بومبيو: الإمارات نموذج يحتذى في التسامح والانفتاح وشريك موثوق للسلام



أكد معالي الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي، أن تحقيق الأمن المستدام في المنطقة يتطلب إرادة سياسية حقيقية وبناء جسور الثقة بين الدول والشعوب، فيما أكد السفير مايك والتز، ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، أن الاتفاقيات الإبراهيمية أثبتت صمودها رغم التحديات والتحولات التي شهدها الشرق الأوسط. وشدد الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، على أهمية تعزيز الشراكات الدفاعية والأمنية لمواجهة التهديدات المشتركة، بينما أشاد مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، بتجربة دولة الإمارات في التسامح والانفتاح ودورها في دعم السلام والاستقرار الإقليمي.

جاء ذلك خلال مؤتمر «تريندز السنوي السادس 2026»، الذي عقد في أبوظبي الاثنين، تحت عنوان «الأمن المستدام: مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب»، بمشاركة مسؤولين وشخصيات سياسية وعسكرية وخبراء دوليين.

الإرادة السياسية

أكد معالي الدكتور علي راشد النعيمي ضرورة ترسيخ ثقافة الاختلاف الإيجابي وبناء جسور الثقة والشراكات بين دول وشعوب المنطقة، مشدداً على أن تحقيق الأمن المستدام يتطلب إرادة سياسية حقيقية.

وقال النعيمي إن الحديث عن بناء الشراكات وتحقيق الأمن يتكرر كثيراً، إلا أن الواقع العملي يكشف عن غياب الإرادة السياسية اللازمة لصناعة منطقة ينعم فيها الجميع بالأمن والاستقرار والازدهار، موضحاً أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق بصورة منفردة أو على حساب الآخرين.

وأشار إلى أن العالم العربي يمتلك أطراً واتفاقيات للدفاع المشترك، سواء من خلال جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وقد جاءت هذه الاتفاقيات نتيجة توافقات وإرادة سياسية مشتركة عند توقيعها، إلا أن اختبارها في أوقات الأزمات كشف عن تفاوت مستويات الالتزام بها. وقال: «أثبتت التجارب أن اتفاقية الجامعة العربية كانت حبراً على ورق منذ أن وُقّعت، وأما اتفاقية الدفاع المشترك لدول الخليج العربية، فقد نُفّذت في حالتين فقط، الأولى خلال غزو الكويت، والثانية عندما تعرضت البحرين إلى التهديد».

وأضاف النعيمي أن التطورات والأزمات الأخيرة في المنطقة أظهرت الحاجة الملحة إلى مراجعة مفهوم الأمن الجماعي، مؤكداً أن تحقيق الأمن والاستقرار يتطلب أولاً بناء الثقة بين القيادات السياسية، إلى جانب تعزيز الثقة بين الشعوب نفسها.

ودعا إلى وقفة صريحة لمراجعة الواقع القائم والتساؤل حول مدى الجدية في تحقيق أمن مستدام للمنطقة، مؤكداً أن أمن أي دولة واستقرارها وازدهارها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن واستقرار محيطها الإقليمي.

وشدد على ضرورة العودة إلى الأساسيات والانطلاق منها نحو حوار صريح وشفاف وواضح، يسهم في بناء الثقة المفقودة بين دول المنطقة، مؤكداً أن الأمن والاستقرار والازدهار عناصر مترابطة لا تتجزأ، وأن الاعتقاد بإمكانية تحقيقها بشكل منفرد هو تصور لا يعكس حقيقة التحديات التي تواجه المنطقة.

وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً أكبر من المصارحة والشفافية والعمل الجاد لمعالجة جذور المشكلات، بما يضمن تأسيس بيئة إقليمية أكثر استقراراً وقدرة على تحقيق التنمية والازدهار لجميع شعوب المنطقة.

الاتفاقيات الإبراهيمية

من جانبه، أكد السفير مايك والتز، ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، أن التطورات السياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة أثبتت أن كثيراً من التقديرات والتحليلات التي روّج لها خبراء ومراقبون كانت بعيدة عن الواقع، مشيراً إلى أن الاتفاقيات الإبراهيمية شكلت نموذجاً واضحاً على ذلك، بعدما نجحت في تغيير المشهد الإقليمي وتعزيز مسارات السلام والتعاون بين دول المنطقة.

وقال والتز إن العديد من الخبراء كانوا يستبعدون إمكانية قيام علاقات سلام وتعاون بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، إلا أن الاتفاقيات الإبراهيمية تحولت إلى واقع ملموس وحققت نتائج عملية على الأرض، رغم التشكيك الذي رافقها منذ الإعلان عنها.

وأضاف أن بعض المحللين توقعوا عدم إبرام الاتفاقيات من الأساس، وعندما تم توقيعها شككوا في قدرتها على الاستمرار، ثم عادوا للقول إنها بنيت على أسس هشة، إلا أن الأحداث اللاحقة أثبتت عكس ذلك، حيث واصلت الاتفاقيات صمودها وتطورها وتوسعت مجالات التعاون المنبثقة عنها.

وأشار إلى أن الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ السابع من أكتوبر أظهرت تحولات استراتيجية مهمة، معتبراً أن المشروع الإقليمي الذي عملت إيران على بنائه، المعروف باسم «الهلال الشيعي»، عبر شبكة من الجماعات والميليشيات الموالية لها، واجه تحديات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، في وقت تشهد فيه عدة دول بالمنطقة تغيرات سياسية وأمنية متسارعة.

وأوضح والتز أن سوريا تشهد مرحلة جديدة يسعى خلالها السوريون إلى استعادة مؤسسات دولتهم، فيما يشهد لبنان جهوداً حكومية لتعزيز الاستقرار والانفتاح على محيطه الإقليمي، لافتاً إلى وجود حوارات ومباحثات متواصلة بين عدد من دول المنطقة، بما يسهم في تعزيز فرص التهدئة والاستقرار.

تعزيز السيادة

وأشار والتز إلى أن العراق يواصل اتخاذ خطوات تهدف إلى تعزيز سيادته الوطنية وتنويع شراكاته الاقتصادية، من خلال اتفاقيات استثمارية ومشروعات في قطاع الطاقة مع الولايات المتحدة وشركاء دوليين، بما يدعم جهود التنمية الاقتصادية والاستقرار.

وأكد السفير الأمريكي أن عدداً متزايداً من شركاء الولايات المتحدة في المنطقة باتوا يدعمون نهجاً أكثر حزماً تجاه السياسات الإيرانية، خصوصاً ما يتعلق بدعم الجماعات المسلحة والميليشيات الإقليمية، مشدداً على أن المجتمع الدولي أظهر في مناسبات عديدة موقفاً رافضاً لهذه الممارسات.

وقال إن إيران سعت على مدى سنوات إلى منع قيام علاقات طبيعية بين إسرائيل والدول العربية، إلا أن الواقع أثبت أن مسار السلام والتعاون الإقليمي مستمر ويتوسع رغم التحديات. وأضاف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أدرك قبل ست سنوات، خلال ولايته الأولى، أهمية الاتفاقيات الإبراهيمية باعتبارها إطاراً أساسياً لبناء علاقات جديدة في المنطقة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تواصل العمل مع شركائها لدعم هذا المسار وتطويره.

مستقبل غزة

وأوضح والتز أن الجهود الحالية تركز كذلك على دعم ترتيبات اليوم التالي للحرب في غزة، بما يضمن إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار ومنع تكرار الظروف التي تؤدي إلى اندلاع جولات جديدة من الصراع.

وأكد أن الاتفاقيات الإبراهيمية شهدت خلال السنوات الست الماضية تطوراً ملحوظاً من خلال توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، وعقد اجتماعات ومبادرات مشتركة هدفت إلى الارتقاء بالشراكة بين الدول الأعضاء، مشيراً إلى استمرار العمل لاستقطاب شركاء جدد وتعزيز نطاق هذه الاتفاقيات بما يخدم الاستقرار والازدهار في المنطقة.

وشدد على أن الولايات المتحدة ستواصل دعم الجهود الرامية إلى تعزيز السلام والتعاون الإقليمي، معرباً عن ثقته بأن الاتفاقيات الإبراهيمية ستظل إحدى الركائز الأساسية لبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لشعوب المنطقة.

شراكات أمنية

من جهته، أكد الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، أن تحقيق الأمن والاستقرار المستدامين في منطقة الشرق الأوسط يتطلب وجود شراكات قوية قادرة على التعامل مع التهديدات المتغيرة والمتسارعة، مشيراً إلى أن القيادة المركزية الأمريكية تعمل وفق منظومة متكاملة لتعزيز حضورها وتعاونها مع دول المنطقة بهدف مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

وقال كوبر، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، إن مفهوم العمل المشترك بين الدول لم يكن يحظى قبل سنوات بالزخم ذاته الذي يشهده اليوم، إلا أن التطورات الأمنية والعمليات العسكرية المشتركة التي شهدتها المنطقة أسهمت في إحداث تحول كبير في أساليب التعاون وتطوير مفاهيم جديدة للعمل الجماعي والتنسيق متعدد الأطراف.

وأوضح أن الولايات المتحدة تعمل مع شركائها الإقليميين والدوليين على تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، لافتاً إلى نجاح الجهود التعاونية في مواجهة العديد من التهديدات، بما في ذلك اعتراض وإسقاط طائرات مسيّرة استهدفت أمن المنطقة واستقرارها.

وأشار إلى أن التحديات الأمنية لم تعد تقتصر على التهديدات التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني، الذي لا يعترف بالحدود الجغرافية، الأمر الذي يفرض تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات والخبرات لمواجهة المخاطر الإلكترونية المتزايدة، وضمان حماية الأمن الوطني للدول والحفاظ على سلامة المجتمعات.

وشدد كوبر على أهمية استمرارية التعاون الأمني والعسكري بين الدول على مدار العام، مؤكداً أن بناء الشراكات الفاعلة لا ينبغي أن يكون مرتبطاً فقط بأوقات الأزمات أو النزاعات، بل يجب أن يقوم على العمل المشترك والتنسيق المستدام والتدريب المتواصل.

وأضاف أن القيادة المركزية الأمريكية توسع نطاق تعاونها مع شركاء من مختلف مناطق العالم، بما في ذلك دول آسيوية، مؤكداً أن العلاقات القائمة تجاوزت مرحلة التدريبات المشتركة لتصل إلى مستويات متقدمة من التنسيق والقيادة والعمل المشترك في مواجهة التحديات المختلفة.

الأمن البحري

وفي السياق ذاته، وصف كوبر الشراكات البحرية الدولية بأنها نموذج ناجح للتعاون متعدد الجنسيات، مشيراً إلى أن الجهود المشتركة التي تضم 47 دولة تمثل إحدى أكبر الشراكات البحرية في العالم، وقد أسهمت في تعزيز الأمن البحري ورفع الجاهزية العملياتية ودعم جهود الاستقرار وحماية خطوط الملاحة والتجارة الدولية في المنطقة.

وأكد أن علاقات الصداقة والثقة المتبادلة وتبادل الخبرات بين الشركاء تمثل ركائز أساسية لبناء منظومة أمنية أكثر قوة وفاعلية، موضحاً أن التعاون المشترك لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل تطوير القدرات وبناء الكفاءات وتعزيز التفاهم بين الدول.

وشدد على أهمية مواصلة البناء على ما تحقق من شراكات وتحالفات خلال السنوات الماضية، معرباً عن تطلعه إلى تعزيز مستويات التعاون والتنسيق الدولي بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار وبناء شرق أوسط أكثر أمناً وازدهاراً للأجيال القادمة.

نموذج إماراتي

بدوره، أكد مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، أن الاتفاقيات الإبراهيمية تعد من أهم التحولات السياسية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، مشيراً إلى أنها جاءت بفضل الرؤية الاستراتيجية والشجاعة السياسية التي أظهرتها قيادة دولة الإمارات في الدفع نحو مسارات السلام وبناء جسور التواصل بين شعوب المنطقة.

وقال بومبيو إن الاتفاقيات الإبراهيمية نجحت في إرساء أسس جديدة للتعاون الإقليمي، وتسهم اليوم في توسيع شبكة العلاقات والشراكات بين الدول بدلاً من تعميق الانقسامات والصراعات، مؤكداً أن واشنطن كانت ولا تزال الداعم الرئيسي لهذه الاتفاقيات، باعتبارها ركيزة مهمة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وأضاف أن الولايات المتحدة لا تزال تمثل الضامن الأساسي لمسارات السلام الإقليمية، مشدداً على أنه لا يوجد بديل حقيقي للدور الأمريكي في هذا المجال، نظراً لخبرتها الطويلة وفهمها العميق لتعقيدات المنطقة وقضاياها الاستراتيجية.

وفي الشأن الإيراني، اعتبر أن سياسات النظام الإيراني الإقليمية منذ عام 1979 أسهمت في زعزعة الاستقرار وتصاعد التوترات الأمنية في الشرق الأوسط، مضيفاً: «إن طهران واصلت، على مدى عقود، دعم جماعات مسلحة وممارسة أنشطة تسهم في زعزعة الاستقرار، الأمر الذي أدى إلى سلسلة من الأزمات والهجمات التي طالت عدداً من دول المنطقة».

ورداً على أسئلة تتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه إيران، أوضح بومبيو أن الإدارات الأمريكية السابقة، سواء الجمهورية أو الديمقراطية، تجنبت في أحيان كثيرة اتخاذ إجراءات حازمة ضد طهران، معتبراً أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تبنت نهجاً مختلفاً من خلال سلسلة من السياسات والخطوات التي هدفت إلى حماية المصالح الأمريكية وتعزيز أمن واستقرار المنطقة.

وحذر بومبيو من اتفاقيات مستقبلية قد تؤدي إلى تدفق موارد مالية كبيرة إلى إيران دون معالجة جوهر التحديات الأمنية القائمة، مشيراً إلى أن التجارب السابقة أثبتت، من وجهة نظره، أن مثل هذه الترتيبات لا توفر حلولاً مستدامة.

وفيما يتعلق بالأوضاع الإقليمية، أكد بومبيو أن دول الخليج العربي باتت أكثر قوة وقدرة على حماية مصالحها وأمنها الوطني، مشيراً إلى أهمية تطوير منظومة إقليمية للتعاون الأمني والدفاعي تقوم على الشراكة والتنسيق طويل الأمد بين دول المنطقة.

التسامح والانفتاح

وأشاد بومبيو بدور دولة الإمارات في دعم الاستقرار الإقليمي، مؤكداً أنها قدمت نموذجاً يحظى باحترام المجتمع الدولي من خلال التزامها بقيم التسامح والانفتاح واحترام سيادة الدول، ما جعلها شريكاً موثوقاً في العديد من المبادرات الهادفة إلى تعزيز الأمن والسلام.

وقال إن الإمارات أظهرت قدرة كبيرة على التعامل مع التحديات الأمنية بحكمة واتزان، رغم تعرضها، إلى جانب دول أخرى في المنطقة، لتهديدات ومخاطر متعددة خلال الحرب الأخيرة.

وفي تقييمه لمستقبل المنطقة، أشار إلى وجود مؤشرات على تراجع نفوذ النظام الإيراني مقابل تنامي قوة واستقرار دول الخليج، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز منظومات الردع وبناء علاقات إقليمية أكثر تعاوناً، بما يضمن الأمن والاستقرار والازدهار لشعوب المنطقة.