يعيش الاقتصاد الإيراني واحدة من أعتى أزماته الهيكلية والتاريخية، حيث تلتقي الضغوط الجيوسياسية والعسكرية الخارقة للحدود مع اختناق مالي وإداري داخلي يتصاعد بنمط غير مسبوق. وفي تطور يعكس حالة الإرباك الحاد داخل مؤسسات صنع القرار في طهران، أُعلن رسمياً عن استقالة وزير النفط الإيراني محسن نجاد، وتكليف رئيس شركة النفط الوطنية حامد بوفارد بمهام الوزارة بالوكالة.

وعلى الرغم من محاولات التكتم الرسمي على الأسباب المباشرة للاستقالة، فإن توقيتها جاء في أعقاب شلل واسع أصاب شريان الطاقة الإيراني، لتكون استقالة الوزير بمثابة المؤشر الأبرز على وصول الأزمة إلى قلب المحرك المالي والنفطي للبلاد.

ويأتي هذا الانهيار التنفيذي بالتوازي مع الهبوط غير المسبوق للعملة الوطنية، حيث تخطى سعر الدولار حاجز 2.7 مليون ريال إيراني في السوق الموازية، ممتصاً صدمة فقدان الريال لأكثر من 80% من قيمته منذ بداية العام الجاري.

ولم تعد محاولات البنك المركزي الإيراني لضخ نحو ملياري دولار كافية لكبح جماح هذا التدهور السريع، إذ يرى الخبراء والمحللون الاقتصاديون أن عمليات التدخل النقدي أضحت أشبه بمسكنات مؤقتة في جسد يواجه نضوباً حاداً في احتياطيات العملة الصعبة وتوقفاً شبه كامل للتدفقات الماليّة.

ولعل المتغير الأكثر حساسية في هذه المعادلة الأخيرة يتمثل في النجاح العملياتي والتكتيكي للحصار الذي فرضته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن استراتيجية الضغط الأقصى. فقد أدى الحصار البحري والجوي الصارم إلى خنق الموانئ الإيرانية وشل حركة الملاحة والتجارة؛ حيث تشير البيانات الصادرة عن منصات تتبع الملاحة البحرية (مثل «تانكر تراكرز») إلى تكدس عشرات الناقلات الإيرانية العالقة في مياه الخليج أو المحملة بالنفط دون القدرة على الوصول إلى المشترين، فضلاً عن تقييد عودة الناقلات الفارغة، ما تسبب في إغلاق نافذة التصدير الرئيسية وتجميد شحنات بلغت عشرات الملايين من البراميل.

هذا الحظر المحكم تحول من مجرد عقوبات اقتصادية ورقية إلى حصار ميداني أدى إلى خنق شريان الدولار والعملات الصعبة التي كان يعتمد عليها النظام لتغذية ميزانيته ودعم أسواق الصرف المحلية.

وعلى صعيد المعيشة اليومية، تُرجمت هذه الأزمة الهيكلية إلى معاناة قاسية ومباشرة للمواطن الإيراني؛ حيث قفزت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية لامست 90%، بالتوازي مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية والمواد الأساسية والأدوية إلى أرقام مضاعفة.

ولم يعد الانخفاض متوقفاً عند تآكل القوة الشرائية وتداعي المدخرات التي هرع المواطنون لتحويلها إلى الذهب والعملات الأجنبية كالملاذ الأخير، بل امتدت الصدمة إلى قطاع العمل والإنتاج المحلي مع لجوء المصانع والورش للتقليص القسري للعمالة نتيجة غياب مدخلات الإنتاج المستوردة وشح السيولة.

وبذلك، تحول الاقتصاد إلى «دائرة مغلقة» يتغذى فيها شح السيولة وانخفاض قيمة العملة مع ارتفاع الأسعار، لتفرز نمواً اقتصادياً بالسالب وتلغي تماماً التوقعات الحكومية السابقة بالنمو.

وقد حظيت هذه الأزمة باهتمام تحليلي واسع في أوساط الإعلام الأمريكي والأوروبي، حيث ركزت المتابعات الصحفية على الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية المترتبة على الأزمة وتداعياتها على مضيق هرمز ومناطق أمن الطاقة العالمي: فمن جانبها، كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن حالة الذعر المتصاعدة في أسواق الطاقة الدولية؛ وأشارت الصحيفة في تقرير لها إلى أن استراتيجية الحصار الأمريكي المطبقة أثبتت نجاحاً غير مسبوق في شل الحركة النفطية الإيرانية وتجفيف منابع السيولة، مؤكدة أن بقاء مئات ملايين البراميل معلقة في البحر دون قدرة على التفريغ أو التصدير يدفع طهران إلى خيارات انتحارية قد تصل إلى تعطيل كامل للملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يلقي بظلاله الصادمة على أسعار النفط العالمية.

وفي السياق ذاته، سلطت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية الضوء على البعد الهيكلي للأزمة المالية والتخبط الحكومي داخل إيران؛ إذ أوضحت الجريدة الاقتصادية أن استقالة وزير النفط تعكس الحائط المسدود الذي اصطدمت به الحكومة الإيرانية في إدارة الموارد، لافتة إلى أن تآكل الثقة بالريال أدى إلى ظاهرة «الدولرة القسرية» للاقتصاد، حيث بات المواطنون والتجار يتفادون التعامل بالعملة الوطنية، ما يحول الاقتصاد الإيراني رسمياً إلى حالة من الإنهاك الكامل الذي يتجاوز قدرة البنك المركزي على التدخل.

أما شبكة «سي إن إن» الأمريكية، فقد ركزت في تغطيتها على الانعكاسات الميدانية والسياسية للحصار والمناورات الأمريكية في المنطقة، مشيرة إلى أن الإدارة الأمريكية استطاعت عبر الوجود العسكري المكثف في البحر والمنافذ البحرية تقويض القدرة الإيرانية على المناورة والالتفاف على العقوبات عبر «أسطول الظل».

وأضافت الشبكة أن هذا الاختناق التجاري والملاحي يضع القيادة الإيرانية أمام خيارين أحلاهما مر: إما تقديم تنازلات جوهرية في ملف المفاوضات الشاملة مع واشنطن، وإما مواجهة انفجار اجتماعي واقتصادي داخلي متصاعد تحت وطأة التضخم الجامح وفقدان السيطرة على الأسواق.

وفي قراءة سياقية للأبعاد الاجتماعية والأمنية، اعتبرت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن الحصار الجوي والبحري الشامل أوجد حالة من العزلة غير المسبوقة لإيران، مشيرة إلى أن معايشة الشارع الإيراني للأزمة أصبحت في مرحلة حرجة. ولفتت الصحيفة الأوروبية إلى أن أزمة النفط والطاقة لم تعد تؤثر فقط على الموازنة العامة للدولة، بل باتت تمس شريان الحياة اليومي للأسر الإيرانية مع شح الأدوية والسلع وتوقف الورش والمنشآت الصناعية، ما يجعل الأزمة الحالية الامتحان الأكثر خطورة لاستقرار النظام السياسي والاقتصادي في تاريخ إيران الحديث.