بدأ ينظر إلى البحر الأسود بوصفه «هرمزاً آخر»، على الرغم من أنه ليس مضيقاً مغلقاً مثل هرمز، لكن الاثنين يشتركان في اضطراب الملاحة والتجارة على الأسواق العالمية، والأخطر هو أن اجتماع الأزمتين في وقت واحد يخلق صدمة مزدوجة: طاقة مرتفعة من هرمز، وسلة غذاء مرتفعة من البحر الأسود.
وأدت الهجمات على السفن التجارية إلى عرقلة حركة التجارة، ورفع تكاليف التأمين والشحن، ودفع شركات الشحن إلى إعادة النظر في مسارات كانت تُعتبر سابقاً آمنة وموثوقة.
البحر الأسود اليوم هو أشبه بمياه جد مضطربة أو خط صدع استراتيجي خطير بشكل متزايد، حيث لم تعد الحرب في البحر الأسود مجرد مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا، بل تحولت مجدداً إلى أحد أبرز مصادر المخاطر على تجارة الغذاء العالمية.
ويراقب العالم مضيق هرمز خوفاً على النفط، لكن الصدمة الأخطر قد تأتي من مكان آخر تماماً: البحر الأسود، فقد أعادت الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا المخاوف بشأن سلامة الموانئ والسفن ومسارات الشحن إلى صدارة حسابات المتعاملين في أسواق الحبوب.
من جانبه، قال الكرملين، أمس، إن روسيا تهدف إلى وقف إمدادات الأسلحة والوقود إلى الجيش الأوكراني عبر البحر الأسود بشكل كامل.
وأوضح الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحفيين «من المهم للغاية بالنسبة لنا أن نوقف تماماً الإمدادات البحرية إلى أوكرانيا من المعدات العسكرية والذخيرة والوقود للجيش الأوكراني وما شابه ذلك، وهي إجراءات جارية حالياً وستستمر».
وهناك إجماع لدى الخبراء والمعنيين في الأمن والدفاع بأن البحر الأسود سيكون من أكثر مناطق النزاع سخونة في العالم، ويعود ذلك ليس إلى أهميته العسكرية فحسب، بل الاقتصادية والأمنية، حيث يبرز كساحة اضطراب جديدة تهدد بإحداث صدمة في إمدادات الغذاء العالمية.
وكانت أوكرانيا قد قدمت إلى روسيا في منتصف الشهر الماضي عرضاً لوقف الهجمات على الأهداف المدنية في البحر الأسود، في محاولة للحد من التصعيد الذي طال السفن والموانئ، وأثار مخاوف بشأن إمدادات الغذاء العالمية، ونقلت العرض إلى موسكو عبر طرف ثالث، ولا تزال تنتظر الرد، في وقت تتبادل فيه روسيا وأوكرانيا، وهما من كبار المنتجين والمصدرين للمنتجات الزراعية عالمياً، الاتهامات بتصعيد الهجمات على السفن المستخدمة في التصدير.
هدنة محدودة
ورفضت روسيا مراراً فكرة هدنة محدودة في البحر الأسود، حيث صعّد الطرفان منذ يوليو هجماتهما على السفن والموانئ ومحطات الطاقة.
تجدر الإشارة إلى أن 6 دول تطل على البحر الأسود (أوكرانيا وروسيا وجورجيا وتركيا وبلغاريا ورومانيا)، إلّا أنه يمثل أهمية بالغة للعديد من البلدان الأخرى وراء حدودها، بسبب تجارة الطاقة والصلب والمنتجات الزراعية، ويتميّز بأهميته الاستراتيجية كنقطة وصل بين جنوب شرق أوروبا وغرب آسيا، فضلاً عن كونه طريقاً رئيسياً لنقل الطاقة والتجارة نحو أوروبا، فالتحديات التي تواجه الأمن في منطقة البحر الأسود مترابطة ومتشابكة بشكل لا ينفصم في السياق الأوسع للأمن الأوروبي، وإن ممارسات روسيا هناك تعزز مخاوف المجتمع الدولي، خاصة بعد تفعيل موسكو لاستراتيجية منع الوصول بنشر أسلحة ذات قدرات بعيدة المدى، لحرمان عدد من الدول من حرية الحركة في محيط محدد، فالقيود انحصرت في عقدة آزوف–كيرتش–الدون، في حين واصلت الموانئ الروسية العميقة على البحر الأسود، وفي مقدمتها نوفوروسيسك، العمل مع فرض قيود تشغيلية مرتبطة بالوضع الأمني، في مسعى للمقايضة من أجل تخفيف العقوبات، لذلك يسعى الحلف الأطلسي «التاتو» إلى تخفيف الخناق الذي فرضته البحرية الروسية على موانئ البحر الأسود، فأي سيطرة على البحر الأسود باتت تقلب موازين القوى في حرب أوكرانيا.
وتستحوذ روسيا وأوكرانيا معاً على أكثر من ربع تجارة القمح العالمية، إلى جانب نحو ثلثي التجارة العالمية في زيت دوار الشمس، وعُشر شحنات الذرة، فيما تضررت حركة الصادرات منذ أغسطس مع استهداف موانئ ومحطات الحبوب والسفن.
تداعيات
ويطرح التصعيد الروسي–الأوكراني في البحر الأسود عدداً من التداعيات على تجارة الحبوب واستقرار إمدادات الغذاء العالمية، ودخلت اضطرابات البحر الأسود؛ أحد أهم ممرات تجارة الحبوب عالمياً، على خط معادلة ارتفاع أسعار القمح العالمية بنحو 25% منذ بداية 2026، وحسب تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي، أثار انهيار صفقة حبوب البحر الأسود، وعدم السماح بشحنها من أوكرانيا، مخاوف جدية بشأن مستقبل الأمن الغذائي الدولي، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى تضخم أسعار الغذاء العالمية.
وكان من المفترض أن توفر الصفقة 12 مليون طن من الحبوب سنوياً، أي ما يعادل 10% من التجارة العالمية.
خلاصة القول، إن استمرار التصعيد في البحر الأسود يشير إلى أن اضطرابات صادرات الحبوب لم تعد تقتصر على تأخير الشحنات، بل باتت تهدد استقرار سلاسل الإمداد الزراعي في العالم.