أعاد وفد وزاري سوري موسع زار بيروت، اليوم الأربعاء، ملف النقل والتجارة إلى صدارة العلاقات بين البلدين، لكن النقاش هذه المرة تجاوز تنشيط التجارة الثنائية. فوزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط قال، وفق بيان الرئاسة اللبنانية، إن التركيز ينصب على جعل العلاقة مؤسساتية من خلال الاتفاقيات والبروتوكولات و«الاستفادة من إعادة رسم خريطة المنطقة»، مضيفاً أن لبنان وسوريا «مفتاح خط بري جديد» تستفيد منه المنطقة والبلدان بصورة تكاملية. أما الرئيس جوزيف عون فقال إن موقع البلدين على البحر المتوسط يؤهلهما لأن يكونا «بديلاً مناسباً» عند حصول توترات أو مشكلات في المنطقة.
هذا الطرح لم يولد في اجتماع بيروت. ففي 25 أغسطس، بحث وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني في دمشق مع نظيره السوري يعرب بدر إعادة تفعيل الربط البري والسككي، ولا سيما من مرفأ طرابلس عبر العبودية إلى الشبكة الحديدية السورية. وأكد الوزيران بعد الاجتماع أن الهدف يتجاوز الربط الثنائي إلى بناء شبكة نقل إقليمية تربط لبنان، عبر سوريا، بالعراق والأردن ودول الخليج وتركيا.
وفي 9 سبتمبر، انتقل التعاون إلى تفاصيل أكثر عملية. فقد أعلنت وزارة الاقتصاد اللبنانية أن العمل على توحيد المواصفات والمقاييس بين البلدين قطع شوطاً متقدماً، بما يقلص وقت فحص البضائع ويسرّع حركة الشاحنات والترانزيت. وأضافت أن هذا المسار يتكامل مع عمل لجنة فنية تشكلت إثر زيارة البساط لدمشق في يوليو لمعالجة مشكلات المعابر وخفض كلفة الإجراءات، ومع عمل اللجنة العليا اللبنانية - السورية المشتركة الهادفة إلى وضع إطار أوسع للتعاون يشمل النقل والكهرباء وأنابيب الغاز والمرافئ.
أما التعبير الأكثر وضوحاً عن «المسار البديل» فجاء في 20 سبتمبر. ففي منتدى «CargoSyr 2026» بدمشق، قال المدير العام للنقل البري والبحري في وزارة الأشغال العامة والنقل اللبنانية مازن بصبوص، وفق وكالة الأنباء السورية «سانا»، إن هناك حاجة إلى مسار بديل لنقل البضائع عبر لبنان وسوريا ومن بوابة شرق المتوسط، بما يسهل وصول البضائع من دول الخليج إلى الأسواق العالمية عبر الطرق البرية. ودعا إلى تطوير الطرق والمعابر ومرفأي بيروت وطرابلس، وتبسيط الإجراءات الجمركية.
وفي الجلسة نفسها، قال وزير النقل السوري يعرب بدر إن دمشق تعمل على تطوير «الممر السوري» للنقل والترانزيت، مشيراً إلى مشاريع تشمل طريق مطار دمشق الدولي باتجاه الحدود اللبنانية، وطريق التنف باتجاه حمص، وخططاً لإعادة ربط السكك الحديدية بلبنان والعراق والأردن وتركيا. كما قال وكيل وزارة النقل والخدمات اللوجستية السعودية موسى بن أحمد البارقي إن اضطرابات الملاحة في باب المندب وأزمة مضيق هرمز زادتا زمن الرحلات وكلفتها ودفعتا إلى البحث عن مسارات بديلة، مشيراً إلى فرص للموانئ السورية على المتوسط بالتكامل مع الترانزيت البري.
ولا تعني هذه التصريحات وجود قرار من دول المنطقة باعتماد مسار عبر لبنان وسوريا؛ ولم تعلن المصادر الرسمية المشار إليها اتفاقاً بهذا المعنى. لكنها تضع التحركات اللبنانية - السورية ضمن نقاش أوسع بشأن كلفة النقل والبحث عن خيارات إضافية لسلاسل الإمداد.
وفي الاتجاه الشرقي، أعلنت وكالة الأنباء السورية «سانا» في 20 سبتمبر أن مسؤولين سوريين وعراقيين بحثوا تطوير العمل في منفذ التنف ورفع طاقته الاستيعابية، واتفق الجانبان على ربط الأنظمة الجمركية إلكترونياً وتسهيل حركة النقل والمنافذ بين البلدين.
والجغرافيا التجارية بين لبنان وسوريا قائمة أصلاً. فقد ذكرت «رويترز» في 16 يوليو أن لبنان يعتمد على الطرق السورية لنقل صادراته بالشاحنات إلى الأردن والخليج، فيما استخدم المصدرون السوريون لبنان ممراً رئيسياً للتصدير، خصوصاً خلال سنوات الحرب. وفي المقابلة نفسها، قال البساط إن التجارة الثنائية بلغت أقل بقليل من 800 مليون دولار في ذروتها، قبل أن تتراجع إلى نحو 250 مليون دولار في 2025، مشيراً إلى عقبات في النقل البري ورسوم جمركية غير موحدة.
ومع ذلك، لا تقدم البيانات والتصريحات الرسمية المنشورة حتى 23 سبتمبر خريطة موحدة لممر إقليمي متكامل، ولا تحدد تمويلاً أو جدولاً زمنياً أو طاقة استيعابية له. المعلن حتى الآن هو مجموعة خطوات متوازية: مرافئ وطرق وسكك حديدية قيد التطوير أو البحث، ومعابر وترانزيت وجمارك تتحرك نحو مزيد من التنسيق.