بين تهديدات بتوسيع الضغط من مضيق هرمز إلى باب المندب، وتصاعد الهجمات على السفن والموانئ في البحر الأسود وبحر آزوف، واستمرار المواجهة الأمريكية الصينية حول الرقائق الإلكترونية، كشفت تطورات الأسبوع الجاري اتساع ساحات الصراع إلى الشرايين التي تتحرك عبرها الطاقة والغذاء والتكنولوجيا.

ورغم تباعد هذه الملفات جغرافياً، إلا أنها تتقاطع عند استخدام الممرات البحرية وسلاسل التوريد والأصول الاقتصادية أهدافاً مباشرة وأدوات ضغط في المواجهات الدولية.

وجاء أحدث مؤشرات هذا الاتجاه أول من أمس من البحر الأحمر، بعدما ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة أن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق باب المندب إذا استهدفت الولايات المتحدة شبكة الكهرباء الإيرانية.

وقال مصدر مقرب من الميليشيا إن صواريخ وطائرات مسيّرة نُشرت قرب المضيق استعداداً للتحرك.

ويمر عبر باب المندب نحو 7% من إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعل أي تحرك فيه امتداداً مباشراً للضغط القائم عند "هرمز".

ويكتسب التهديد ثقله من تزامنه مع استمرار ابتزاز إيران للملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي تمر عبره عادة نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وظلت أسعار النفط قريبة من أعلى مستوياتها في شهر، مع تزايد المخاوف من أن يؤدي الجمع بين الاضطراب في هرمز والتهديد عند باب المندب إلى الضغط على مسارين رئيسيين للطاقة في وقت واحد.

وقال محللون لـ«رويترز» إن أي تعطيل متزامن للممرين قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، في وقت تراجعت فيه بالفعل حركة السفن وارتفعت كلفة التأمين والمخاطر التشغيلية.

وفي البحر الأسود، تزامنت التحذيرات السياسية من اتساع الحرب مع جولة جديدة من استهداف السفن والموانئ.

وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال مؤتمر صحفي في كييف أول من أمس، إن أنقرة «لا تريد نقل الحرب إلى البحر الأسود»، مؤكداً أن استهداف الموانئ والناقلات وقوارب الصيد وتعريض حياة المدنيين للخطر «لا يمكن تبريره».

وجاء تحذير فيدان بعد شهر من إبلاغه موسكو، في 16 يونيو الماضي، بضرورة تجنب أي حوادث في البحر الأسود يمكن أن تضر بأمن المنطقة أو بمصالح تركيا، وبحثه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف سبل ضمان سلامة الملاحة.

وفي اليوم نفسه، أعلن جهاز الأمن الأوكراني أنه استهدف، بالتعاون مع البحرية، ناقلتين قال إنهما تابعتان لما تصفه كييف بـ«أسطول الظل» الروسي، باستخدام مسيّرات بحرية في البحر الأسود.

ولم يكن الهجوم معزولاً، إذ شهد البحر الأسود وبحر آزوف خلال الأيام الماضية تصعيداً متبادلاً ضد السفن والموانئ.

واستهدفت روسيا وأوكرانيا سفناً وموانئ مرتبطة بالنفط والغاز والحبوب، ما أدى إلى ارتفاع أسعار القمح الأوروبية بنحو 7% والعقود الأمريكية بنحو 5%.

كما قيدت روسيا الملاحة في بحر آزوف، وهو مسار يمر عبره نحو ربع تجارة الحبوب الروسية.

وقال نائب وزير الاقتصاد الأوكراني تاراس فيسوتسكي الثلاثاء الماضي إن الهجمات الروسية أفقدت بلاده نحو ثلث قدرتها على تصدير الحبوب عبر موانئ البحر الأسود، ودفعت مالكي سفن وتجاراً إلى إلغاء حجوزات وعقود شحن.

في الوقت الذي تتنافس فيه الدول على الممرات البحرية، تتواصل مواجهة لا تقل أهمية في قطاع الرقائق الإلكترونية.

فمنذ عام 2022، فرضت الولايات المتحدة سلسلة من القيود على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين، قبل أن توسعها لاحقاً لتشمل تقنيات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، معتبرة أن هذه التقنيات ترتبط مباشرة بالأمن القومي والتفوق العسكري.

كما شجعت حلفاءها، وفي مقدمتهم هولندا واليابان، على تشديد القيود على تصدير معدات تصنيع الرقائق المتطورة إلى الصين.

وفي المقابل، تتهم بكين واشنطن باستخدام ضوابط التصدير لاحتواء صعودها التكنولوجي، بينما تؤكد الولايات المتحدة أن الحفاظ على ريادتها في أشباه الموصلات يمثل أولوية استراتيجية.

ولم تعد الرقائق الإلكترونية مجرد مكون صناعي، بل أصبحت أساساً لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الفائقة، وأنظمة الاتصالات، والصناعات الدفاعية، ما جعلها إحدى أبرز ساحات المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم.

وتكشف هذه التطورات، من هرمز وباب المندب إلى البحر الأسود والرقائق الإلكترونية، أن الصراعات لم تعد تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى الشرايين التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.

فالمنافسة باتت تشمل الممرات التي تنقل الطاقة، والموانئ التي تصدّر الغذاء، والتكنولوجيا التي ترسم موازين القوة في المستقبل، لتصبح السيطرة على هذه المفاصل جزءاً أساسياً من معادلات النفوذ.