قبل نحو أربعة عقود كانت منطقة الخليج العربي مسرحاً للفصل الأخير من الحرب العراقية الإيرانية، وهي المرحلة التي تعرف بـ "حرب الناقلات" حيث ساد الاضطراب أسواق النفط شهوراً إلى أن تدخلت الولايات المتحدة عبر عملية تأمين عسكرية للسفن وانتهت بهزيمة مدوية لإيران وأغراق أضخم سفينة عسكرية لها وانسحاب للعراق من حرب الناقلات لتعود الملاحة إلى عهدها في الخليج.

وأمس أعلنت الولايات المتحدة عملية شبيهة باسم "مشروع الحرية" لإنقاذ السفن العالقة في هرمز جراء العدوان الإيراني، لكن هذه المرة حرصت الولايات المتحدة - حتى الآن - على تفادي مرافقة مباشرة عبر سفنها العسكرية للناقلات والسفن التجارية، في خطوة يتوقع المراقبون أن تعيد واشنطن النظر فيها قريباً خاصة أن الجانب الإيراني يظهر تحدياً لممارسة القرصنة في واحدة من أهم الشرايين الاقتصادية للعالم.

في عام 1987، بدأت الولايات المتحدة عملية مرافقة للسفن في الخليج العربي، في خطوة تشبه ما أطلقه الرئيس ترامب اليوم للمساعدة في فتح إمدادات الطاقة من المنطقة المضطربة.

وفي استعراض للقوة هدفه ردع الهجمات الإيرانية آنذاك، انضمت عدة سفن حربية أمريكية إلى سفن تجارية في أول مهمة مرافقة لها عبر مضيق هرمز. وبينما كان الرتل البحري يتجه نحو الكويت، اصطدمت إحدى ناقلاته العملاقة، بحجم ناطحة سحاب، بلغم أحدث ثقباً في هيكلها.

وقال الأميرال المتقاعد هارولد بيرنسن، الذي كان يقود قوة البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط آنذاك لصحيفة وول ستريت جورنال: «كانت تلك نقطة تحول». وأضاف: «فجأة، أدركنا أن إيران مستعدة لمهاجمتنا رغم أننا كنا نملك المطرقة».

تطلق واشنطن الآن عملية مشابهة لإعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي، الذي تحتاج مئات الناقلات وسفن الشحن إلى عبوره لمغادرة الخليج العربي. وقد خلق هذا الاختناق أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط، فيما أدت الصدمة الناتجة عنه إلى مضاعفة أسعار النفط العالمية تقريباً منذ بداية العام.

وتأتي الخطة الجديدة لإدارة ترامب، التي تشمل سفناً وطائرات قريبة لكنها لا تتضمن مرافقة مباشرة للناقلات، بعد أسابيع من الاهتمام المحدود من دول أخرى بالمساعدة في إعادة فتح المضيق.

ويحذر ضباط متقاعدون ومحللون درسوا جهود ضبط الأمن في المنطقة خلال ثمانينيات القرن الماضي من أن الصراع اليوم أكثر اتساعاً رغم أن القوات الأمريكية دمرت بالفعل كبرى السفن الإيرانية في بداية الحرب الحالية قبل أسابيع، وأبرزها السفينة مكران والسفينة باقري، لكن تدميرهما لم يحدث صدى على غرار ما أحدثه تدمير "سهند" في عام 1988، ذلك أن القوة البحرية الإيرانية منذ ذلك الحين لم تعد تشكل تحدياً، فضلاً عن أن إيران لا تستطيع حماية السفن الكبيرة من الاستهداف و"الإهانة"، لذلك تلجأ إلى تكتيكات جديدة "غير مهينة" لها، في حال تدميرها، مثل أسراب البعوض، وهو أطسول يعتمد على زوارق مسلحة صغيرة وبدائية.

وسجل إيران البحري الحديث يظهر هشاشة قطعها الكبيرة. ففي 2021 غرقت سفينة الدعم الإيرانية خرج بعد حريق، وكانت تُعد أكبر سفينة في البحرية الإيرانية آنذاك. وفي 2024 غرقت الفرقاطة الإيرانية الحديثة سهند، التي تحمل اسم السفينة التي دمرتها أمريكا عام 1988، في مياه ضحلة بميناء بندر عباس بعد حادث أثناء الإصلاحات.

وقال أنتوني غورني، محلل الاستخبارات البحرية السابق الذي كان يتابع تهديدات الشحن التجاري في الثمانينات، إنه حتى بينما كان العراق وإيران يتبادلان ضربات قاتلة ضد السفن التجارية ضمن حرب أوسع فإن «الإيرانيين لم يحاولوا فعلياً إغلاق المضيق». ووصف غورني الصراع الحالي بأنه «أكثر قابلية للتوسع بكثير».

ووفقاً لمركز المعلومات البحرية المشترك، تعرضت نحو 36 سفينة تجارية في المنطقة لحوادث منذ 1 مارس، تراوحت بين ضربات صاروخية ونيران أسلحة خفيفة وتهديدات إيرانية. وقد يرى بعض مشغلي الناقلات أن القيام بالرحلة عبر المضيق الضيق شديد الخطورة، حتى مع تدخل الجيش الأمريكي.

ويقول مؤرخون ومسؤولون سابقون إن التدخل الأمريكي في الخليج العربي خلال ثمانينيات القرن الماضي أظهر قدرة واشنطن على حماية بعض السفن التجارية. لكنه جاء أيضاً، وهو محاط بالمآسي، بعواقب جسيمة، بينها حادثة أدت فيها نيران عراقية صديقة إلى مقتل 37 من أفراد الطاقم الأمريكي.

تفاصيل حرب

بدأت العملية الأمريكية لحماية السفن في منتصف عام 1987، حين بدأت مرافقة 11 ناقلة أُعيد تسجيلها تحت العلم الأمريكي. ورغم أسابيع من التحضير، لم تكن العملية تمتلك وسائل كاسحة للألغام جاهزة قبل رحلتها الأولى. ولاحقاً، اجتذبت العملية دعماً في تفكيك الألغام والاستخبارات من دول بينها المملكة المتحدة وفرنسا.

وبعد أن اصطدمت فرقاطة بحرية أمريكية بلغم عام 1988، دمّرت الولايات المتحدة منصات نفطية إيرانية وجزءاً كبيراً من البحرية التقليدية الإيرانية رداً على ذلك. وفي إحدى اللحظات، مرّ صاروخ هاربون أطلقته سفينة حربية إيرانية على مسافة نحو 100 قدم من سفينة أمريكية، ما دفع فرقاطة أمريكية إلى الرد بإطلاق 4 صواريخ من جانبها، مسهمة في تدمير ما كان حينها أكبر سفينة حربية تغرقها البحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.

وانتهت عملية المرافقة تقريباً بالتزامن مع انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية، وذلك بعد أن أسقطت سفينة حربية أمريكية، عن طريق الخطأ، طائرة ركاب إيرانية، ما أدى إلى مقتل 290 شخصاً.

كانت «سهند» يومها من أبرز القطع البحرية الإيرانية. وهي فرقاطة بريطانية الصنع، كانت تمثل جانباً من الإرث البحري الإيراني التقليدي. خرجت من بندر عباس في ذروة التصعيد، واشتبكت مع طائرات أمريكية، لتتعرض لاحقاً لهجوم بالصواريخ والقنابل من طائرات تابعة لحاملة الطائرات إنتربرايز ومن سفن أمريكية.

وتذكر مصادر البحرية الأمريكية أن تلك العملية كانت، في حينها، من أبرز لحظات تدمير قطعة بحرية كبيرة على يد البحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.