كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن كواليس برنامج (SERE) الصارم، الذي يُعد العقيدة القتالية الأكثر قسوة وسرية في الجيش الأمريكي. والذي يهدف إلى إعادة صياغة مهارات طياري النخبة وقوات العمليات الخاصة، ليتعدى دورهم القتال الجوي والميداني إلى فنون ’البقاء والمراوغة والمقاومة والهروب‘، محولاً إياهم من أهداف محتملة إلى أشباح لا تقبل الانكسار في بيئات معادية تمامًا.
"يرتكز تدريب SERE، وهو اختصار لعبارة: «البقاء، والمراوغة، والمقاومة، والهرب» على مبدأ صارم: "مهمة الناجي هي العودة بكرامة". لا يقتصر الأمر على المهارات الجسدية فحسب، بل يمتد ليشمل الصمود النفسي ومواجهة الانهيار تحت ضغط الأسر. على غرار فرد طاقم مقاتلة «إف-15» الذي جرى إنقاذه في إيران.
يرتكز تدريب SERE، الذي يُقام بشكل أساسي في قاعدة "فيرتشايلد" الجوية بواشنطن، على مبدأ أخلاقي وعسكري صارم وهو "مهمة الناجي هي العودة بكرامة". لا يقتصر الأمر هنا على اللياقة البدنية، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة كاملة للهوية العسكرية والصمود النفسي لمنع الانهيار تحت ضغط الأسر أو العزلة.
يقول ديفيد أ. ديبتولا، الفريق المتقاعد في سلاح الجو الأمريكي: «بالنسبة إلى الطيارين، يُعد تدريب سيري حيويًا لأن الطيار قد يجد نفسه وحيدًا في أراضٍ معادية دون سابق إنذار». هذا الإعداد هو ما يفصل بين طيار يصبح "ورقة ضغط سياسية" في يد العدو، وآخر يعود ليحكي قصة صموده.
هندسة النجاة
تتوزع استراتيجية البرنامج على أربعة أعمدة رئيسية، تشكل معًا درعًا واقيًا للجندي حيث تبدأ الرحلة لحظة القفز الاضطراري بالمظلة. هنا، يتعلم المتدربون تقييم الموقف وتحديد الأولويات تحت ضغط الأدرينالين. يتضمن التدريب العيش في بيئات متطرفة؛ من غابات واشنطن الكثيفة إلى المناطق القطبية والصحاري. في فيديو لتجنيد سلاح الجو، يظهر المتدربون وهم يجمعون مياه الشرب من الأنهار، ويوقدون النار بالعصي، ويبنون ملاجئ من سعف النخيل أو الجليد، بينما يعتمد غذاؤهم على "وجبات إجبارية" من الصبار والخنافس والقوارض لتأمين البروتين اللازم للاستمرار.
فن الاختفاء
يقول الرقيب أول متقاعد جايسون سميث: «الفكرة هي ألا يتم القبض عليك أصلًا». يتعلم المتدربون كيف يصبحون أشباحًا تتفادى الرادارات البشرية والكاميرات الحرارية. المبدأ هنا هو "المراوغة النشطة"، أي التحرك ليلاً نحو نقاط إخلاء متفق عليها مسبقًا، مع استخدام إشارات لاسلكية قصيرة جدًا لتجنب التعقب، كما فعل الكابتن سكوت أوغرادي عام 1995 حين نجا 6 أيام في البوسنة آكلاً النمل ومراوغًا القوات الصربية. ثم تاتي مرحلة المقاومة وهو الجزء الأكثر غموضًا وسرية. يعود تاريخ هذا المفهوم إلى الحرب الكورية، حيث واجه الأسرى الأمريكيون غسيل دماغ واستجوابات وحشية. يتدرب الجنود اليوم على "مدونة السلوك" التي أقرت في عهد أيزنهاور، والتي تفرض على الأسير عدم تقديم سوى اسمه ورتبته وتاريخ ميلاده. يُحاكي التدريب سيناريوهات استجواب واقعية لتعريف الجنود بكيفية حماية المعلومات الحساسة ومقاومة الاستغلال الدعائي من قبل العدو.
وياتي الركن الأخير هو الاستعداد الدائم للفرار. يُدرب الأفراد على استغلال الثغرات الأمنية في معسكرات الاعتقال أو أثناء النقل. الهدف هو العودة إلى الوطن "سالمين وبشرف"، باستخدام كل أداة متاحة، من الشعلات الدخانية إلى أجهزة اللاسلكي المتقدمة، لتوجيه فرق البحث والإنقاذ القتالي (CSAR).
البطل والرهينة
إن الاختبار الحقيقي لهذا التدريب يتجلى في الحالات الواقعية. مؤخرًا، تمكن فرد من طاقم مقاتلة «إف-15» من النجاة وتفادي الأسر طوال 36 ساعة في منطقة جبلية نائية من إيران، رغم إصابته بجروح خطيرة وقرب القوات المحلية منه.
هذا الطيار لم ينجُ بالصدفة؛ بل نجح لأنه تلقى دروسًا مكثفة في "الطب الميداني الذاتي"، حيث يتعلم الطيار كيفية خياطة جروحه أو تثبيت كسوره بنفسه تحت وطأة الألم. ولو وقع هذا العنصر في الأسر، لامتلكت طهران ورقة ضغط دبلوماسية ثمينة ومكسبًا دعائيًا في زمن الحرب، لكن تدريب "سيري" حرمها من ذلك.
خريجو هذه المدرسة لا يعودون كبشر عاديين؛ إنهم يعودون بعقيدة ترسخت في جبال واشنطن وصحاريها، مفادها أن الإنسان قادر على قهر الطبيعة والعدو معًا إذا ما امتلك المعرفة والإرادة. وفي نهاية المطاف، يظل "إرادة البقاء" هي السلاح الوحيد الذي لا يمكن للعدو انتزاعه، وهي الضمانة الوحيدة لعودة المقاتل إلى وطنه، محمولًا على أكتاف الفخر، وليس كأداة في يد خصومه.
