بعد خمس سنوات من الإبحار بين الموانئ، حيث تتعانق الثقافات وتتنقّل الكتب من لغة إلى أخرى، تستعد عائلة من جزيرة مان لطيّ صفحة استثنائية من حياتها، والعودة إلى الوطن الذي ظلّ حاضراً في الذاكرة، رغم المسافات واتساع البحار.
معرض عائم
على متن سفينة «لوغوس هوب»، أكبر معرض كتاب عائم في العالم، عاش أندي شييث وزوجته ريبيكا وابنتاهما إلزي وسوفي منذ عام 2021، متنقّلين بين البلدان، وحاملين معهم حكاية عائلية نسجتها الأمواج، واحتضنتها أروقة السفينة. وبين 6 و22 نوفمبر المقبل، ستعود السفينة إلى جزيرة مان، لترسو في ميناء دوغلاس، وعلى متنها أكثر من 300 شخص ينتمون إلى 60 دولة.
بالنسبة إلى شييث، ليست هذه الرحلة مجرّد عودة إلى نقطة البداية، بل لقاء متجدّد مع جذوره وذكرياته. فمنذ زيارته الأولى للسفينة عام 2010، حين كان طالباً جامعياً والشخص الوحيد من جزيرة مان على متنها، شعر بأنّه وجد مكاناً يشبه الوطن، قبل أن تتحوّل السفينة، بعد سنوات، إلى بيتٍ لعائلته الصغيرة.
خطى الطفولة
في أرجاء السفينة، تختبئ حكايات لا تُقاس بالأميال البحرية، بل بما شهدته من لحظات العمر الأولى. فالممرات التي تعبرها أقدام البحّارة والزوار تحمل أيضاً أصداء خطوات إلزي الأولى، والطاولات التي احتضنت وجبات العائلة طوال خمس سنوات شهدت انتقال ابنتيها من مرحلة الرضاعة إلى الطفولة.
يستعيد شييث تلك التفاصيل بعاطفة واضحة، فالسفينة التي جابت بحار العالم لم تكن بالنسبة إلى أسرته مجرّد مكان للإقامة، بل مساحة تشكّلت فيها ذكريات ثمينة، وصارت جدرانها وأركانها جزءاً من حكاية أبنائهما وهم يكبرون بعيداً عن اليابسة التي ينتمون إليها.
ورغم الحياة المتنقّلة، ظلّت جزيرة مان حاضرة في وجدان العائلة، عبر مشاهد صغيرة تختزن دفء الوطن. فقد عادت الأسرة إلى الجزيرة من أجل ولادة سوفي، فيما لا تزال إلزي تتذكّر زيارات حديقة الحياة البرية، ووجبات السمك والبطاطا المقلية على الشاطئ برفقة جدّيها، والمثلّجات في مدينة بيل؛ تفاصيل بسيطة، لكنها بقيت أكثر رسوخاً من كثير من الموانئ التي مرّت بها السفينة.
فرحة البداية
اليوم، تتجدّد الحماسة في نفوس أفراد العائلة مع اقتراب موعد العودة، إذ ينتظرون بدء فصل جديد من حياتهم، بعد سنوات أمضوها بين الأمواج والبلدان والثقافات المختلفة. ويصف شييث هذه اللحظة بأنها «عودة كبرى إلى أحضان الوطن»، في تعبير يلخّص شوقاً طال انتظاره.
ولم تقتصر الحماسة على العائلة وحدها، بل امتدّت إلى طاقم السفينة، الذي بدأ يستفسر عن الجزيرة ومعالمها وما يمكن استكشافه خلالها. وتنوّعت الأسئلة بين الأنشطة المتاحة وإمكانية مشاهدة مسار سباق الدراجات النارية الشهير، في مشهد يكشف كيف يمكن لحنين شخص واحد إلى موطنه أن يوقظ فضول عشرات القادمين من أنحاء العالم.
ومع اقتراب الرسوّ في ميناء دوغلاس، يأمل شييث ألا تكون هذه الزيارة الأخيرة لـ«لوغوس هوب» إلى جزيرة مان. فهو الذي رفع علم الجزيرة بفخر في كل ميناء زارته السفينة، يتمنّى أن يرى مزيداً من أبنائها ينضمّون إلى طاقمها، ويحملون رايتها إلى موانئ جديدة.
فبعد خمس سنوات من الإبحار، لا تعود العائلة إلى وطنها محمّلة بحقائب السفر وحدها، بل بذكريات طفولة لا تتكرّر، وتجارب صاغتها البحار، وحكاية تؤكّد أن الوطن قد يبتعد عن العين، لكنه يظلّ قريباً من القلب؛ وأن بعض الرحلات، مهما امتدّت، لا تنتهي إلا بالعودة إلى الجذور.