تستيقظ دبي كل صباح على مطار يصلها بالعالم، وموانئ تعبر منها التجارة، وطرق وجسور تختصر المسافات، وخور ما زال يحمل ذاكرة المكان؛ تفاصيل تبدو اليوم بديهية في مدينة عالمية، لكنها كانت يوماً أفكاراً وقرارات تسبق زمنها.

هنا لا نستهدف استعادة الماضي، بل إعادة اكتشاف بدايات ما زالت حاضرة بيننا؛ فقد أدرك قائدها، مبكراً أن المدينة لا تصل إلى مستقبل أكبر إذا بقيت أسيرة احتياجات حاضرها، فكان الخور والمطار والموانئ والكهرباء والمياه والطرق والجسور قدرات تُبنى لما هو آت، قبل أن تصبح ضرورات يفرضها النمو.

إنه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم" طيب الله ثراه" الذي رأى دبي قبل أن نراها وكان المستقبل عنده فكرة، ثم صار مدينة.

كانت دبي تبحث عن منفذ أوسع إلى العالم، فيما كان الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ينظر أبعد من حدود المدينة وإمكاناتها آنذاك؛ كان ينظر إلى دبي التي تستطيع أن تصل، وتتصل، وتتاجر، وتستقبل، ثم تتحول مع الزمن إلى بوابات عبور بين جهات العالم.

ومع اتساع تلك البوابات، تبدّلت معادلة المكان؛ فدبي التي سعت يوماً إلى طريق يصلها بالعالم، أصبحت مع مرور الزمن طريقاً تتقاطع عنده حركة الناس والتجارة والأعمال.

وفي استحضار تلك الجذور، تدوّن دارة آل مكتوم على موقعها الرسمي مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «دبي هي ليست وليدة اليوم.. هي مدينة لها تاريخ عريق.. وقصة نجاح تمتد لعقود طويلة.. من مراحل وأحداث وشخصيات».

مطار دبي.. حين كان المدرج من الرمال

وتبدو قصة مطار دبي نموذجاً واضحاً لهذا المعنى. ففي عام 1959 بدأ العمل على إنشاء المطار على أرض صحراوية، وفي سبتمبر 1960 افتتح بمدرج من الرمال المضغوطة وبإمكانات متواضعة إذا قورنت بما أصبح عليه لاحقاً.

لم تكن دبي آنذاك مركزاً عالمياً للطيران، ولم تكن حركة المسافرين تقترب بأي صورة من الأرقام التي تسجلها المدينة اليوم، ولذلك فإن أهمية تلك اللحظة لا تكمن فقط في افتتاح مطار، وإنما في السؤال الذي كان وراءه: ما الذي يمكن أن تصبحه مدينة صغيرة إذا امتلكت وسيلة اتصال مباشرة ومتنامية بالعالم؟

حين لم تعد الجغرافيا قدراً

قبل المطار والموانئ الكبرى، كان خور دبي واحداً من مفاتيح الحياة الاقتصادية للمدينة. ارتبط به التجار والسفن والأسواق وحركة الناس، لكنه كان في الوقت نفسه يواجه تحديات تتعلق بعمقه وقدرته على استقبال السفن.

كان من الممكن النظر إلى ذلك باعتباره حداً تفرضه الطبيعة على المدينة، لكن القرار كان مختلفاً: تعميق الخور وتطويره بما يسمح بحركة تجارية أكبر. وقد احتاج المشروع إلى موارد والتزامات مالية في وقت كانت فيه إمكانات دبي محدودة مقارنة بما أصبحت عليه لاحقاً، لتصبح علاقة الخور مع الجغرافيا مختلفة؛ فإذا كانت طبيعة المكان تحد من الفرصة، يمكن تطوير المكان نفسه حتى تتسع الفرصة.

وعندما ننظر إلى خور دبي اليوم، وعما كان يمكن أن يحدث لو بقي الخور بحدوده القديمة، نستكشف أن المدن لا تتغير فقط عندما تضيف مباني جديدة، وإنما عندما تتخذ قراراً بإزالة حاجز كان يحدد حجم حركتها، ليصبح تعميق الخور واحداُ من الدروس المبكرة في تجربة دبي: وسّع المساحة لكي يصبح تضخم النشاط ممكناً.

البحر المفتوح

امتدت فكرة التعميق والاتصال من الخور إلى الموانئ، فجاء ميناء راشد، ثم ميناء جبل علي، وكل مرحلة كانت تعني توسيع قدرة دبي على الاتصال بالتجارة العالمية. وقد يبدو إنشاء ميناء كبير في منطقة بعيدة نسبياً عن مركز دبي العمراني آنذاك قراراً يمكن تقييمه بحسابات اللحظة: كم سفينة ستأتي؟ كم حجم التجارة؟ وهل تحتاج المدينة فعلاً إلى كل هذه القدرة؟

لكن التاريخ يعيد ترتيب الأسئلة. فما يبدو فائضاً عن الحاجة في لحظة معينة قد يصبح بعد سنوات شرطاً للنمو، وما يبدو مشروعاً أكبر من المدينة قد يساعد المدينة نفسها على أن تصبح أكبر، وما يبدو طريقاً لا حاجة له الآن يصبح شرطاً للبقاء حين يغلق الطريق الذي اعتدناه.

وحين ننظر اليوم إلى جبل علي وما نشأ حوله من منظومات لوجستية وتجارية وصناعية، يصبح من الصعب فصل الحاضر تماماً عن السؤال الذي طُرح في البداية: ماذا يمكن أن يحدث إذا امتلكت دبي قدرة أكبر بكثير على استقبال التجارة؟

البداية من بيت يضيء

إن اختزال تجربة دبي في المطار والميناء والخور وحدها، يجعلها تبدو وكأنها قصة مشروعات كبرى فحسب، بينما كان للبناء وجه آخر أكثر هو الإنسان وحياته اليومية.

أسس الشيخ راشد شركة كهرباء دبي ودائرة مياه دبي عام 1959، قبل أن تبدأ أولى التوصيلات الكهربائية عام 1961، ثم تتوسع قدرات الإنتاج والشبكات بالتوازي مع نمو المدينة، وتتطور شبكات المياه ومصادرها وصولاً إلى مشروعات التحلية. وهنا تبدو البداية في أبسط صورها وأكثرها إنسانية: قبل أن تضيء المدينة على خريطة العالم، كان لا بد أن يضيء البيت.

 وربما لا تملك أرقام البدايات بريق المطار أو الميناء، لكنها تكشف شيئاً أساسياً في مفهوم التنمية: قبل أن تصبح المدينة صورة على خريطة العالم، ينبغي أن تصبح قابلة للحياة بالنسبة إلى سكانها.

فالمدينة الحديثة تبدأ أيضاً من بيت يضيء بعد الغروب، ومن ماء يصل بصورة أكثر انتظاماً، ومن طريق يجعل الانتقال أسهل، ومن مدرسة ومستشفى وخدمة عامة تمنح الإنسان شعوراً بأن النمو الكبير الذي يحدث حوله يغير حياته هو أيضاً.

الجسر ليس خرسانة

عندما افتتح جسر آل مكتوم في الستينيات بوصفه أول جسر يعبر خور دبي، لم يكن ما أضيف إلى المدينة مجرد منشأة خرسانية؛ الذي تغير هو الزمن الذي يحتاجه الإنسان للانتقال، وطريقة اتصال ضفتي المدينة، ومسار التجارة والعمل والحياة اليومية. ثم جاءت مشروعات أخرى ومعابر وطرق، وتوسعت الشبكة مع توسع دبي. وإذا أردنا أن ننظر إلى هذه المشروعات من زاوية إنسانية، فإن البنية الأساسية ليست ما نراه فقط، وإنما ما لا نعود نشعر به بسبب وجودها: دقائق لم نعد نفقدها، ومسافات لم تعد عائقاً، وفرص أصبح الوصول إليها ممكناً.

راشد الذي رأى دبي قبل أن نراها

عندما نجمع الخور والمطار والميناء والكهرباء والمياه والطرق والجسور في صورة واحدة، يصبح من الممكن رؤية ما هو أبعد من كل مشروع منفرد. لقد كانت دبي توسع باستمرار قدرتها على استقبال شيء أكبر: سفن أكثر، وطائرات أكثر، وتجارة أكبر، وسكان أكثر، وحركة أسرع، وفرص أوسع.

وهنا يوجد فارق مهم بين التنبؤ بالمستقبل وصناعته، فالتنبؤ يحاول أن يقول لنا ماذا سيحدث، أما صناعة المستقبل فتعني بناء القدرة على التعامل مع احتمالات أكبر. لم يكن مطلوباً في الستينيات معرفة عدد المسافرين الذين سيستخدمون مطار دبي بعد ستين عاماً، بل اتخاذ القرار بأن اتصال المدينة بالعالم يجب ألا يظل محدوداً.

ولم يكن مطلوباً معرفة الحجم الدقيق لتجارة دبي في القرن الحادي والعشرين، بل بناء موانئ وقدرات تسمح للتجارة بالنمو. الرؤية هنا ليست معرفة المستقبل؛ إنها عدم السماح للحاضر بأن يغلق الطريق إلى المستقبل.

راشد والاتحاد.. البداية التي اتسعت إلى وطن

لا يمكن فصل تجربة الشيخ راشد عن لحظة متزامنة؛ لحظة تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد كان، إلى جانب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" وإخوانهما الحكام، من صناع المشروع الاتحادي الذي أُعلنت معه الدولة في الثاني من ديسمبر 1971.

وهنا تكتسب كلمة «التأسيس» معنى مضاعفاً؛ ففي الفترة نفسها تقريباً كانت دبي تعيد بناء قدراتها الاقتصادية والعمرانية والخدمية، وكانت الإمارات تنتقل من إمارات متصالحة إلى دولة اتحادية بمؤسساتها وطموحاتها الجديدة.

وتشكل ذكرى رحيل الشيخ راشد نوعاً من البداية بوصفها فعلاً تاريخياً، فهناك أجيال تعيش داخل نتائج أشياء لم تشهد لحظة تأسيسها؛ تستخدم مؤسسات لم تر يوم إنشائها، وتعبر جسوراً لم تعرف المدينة قبلها، وتسافر عبر مطار يبدو وجوده بديهياً، وتعيش في دولة أصبح الاتحاد فيها حقيقة مستقرة.

ولم تكن المشروعات غاية في ذاتها، بقدر ما كانت إجابات عن أسئلة أكبر: ماذا تحتاج دبي كي تتجاوز حدود حاضرها؟ وكيف نفتح أمام الإنسان والمدينة مساحة أوسع للمستقبل؟

وكان السؤال هو قاطرة البدايات في زمن الشيخ راشد؛ السؤال الذي دفع إلى البناء والتوسع والنظر أبعد من احتياجات اللحظة. واليوم يعود السؤال في رسائل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قاطرةً لاستدامة ما بدأ؛ فلا يقتصر على ما تحتاجه المدينة كي تواصل تقدمها، بل يمتد إلى الإنسان الذي يصنع هذا التقدم ويحمله إلى الأجيال المقبلة.

وفي الذكرى السادسة والثلاثين لرحيل الشيخ راشد، تختصر رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى والده معنى هذا الامتداد، وتصل بين ما بدأ بالأمس وما يُبنى اليوم: «والدي وقائدي.. كل إنجاز تحقق من بعدك فيه شيء منك، وكل حلم جديد سعينا وراءه امتداد لأحلامك، وكل سطر كتبناه في مجد بلادنا جزء من كتابك».

وهكذا، لا تعيد ذكرى الشيخ راشد، دبي إلى الماضي بقدر ما تعيدها إلى سؤال البداية؛ السؤال الذي دفعها إلى تجاوز حدود حاضرها واستشراف ما بعدها. ومن التأسيس إلى الاستدامة، تمتد حكاية مدينة لم تتوقف طويلًا عند ما أنجزته، لأنها اعتادت أن تجعل من كل إنجاز بدايةً لسؤال جديد: ماذا بعد؟