قبل أن تعرف المطابخ المصرية تطبيقات توصيل الطعام، وقبل أن تتحول الوجبات السريعة إلى جزء من إيقاع الحياة اليومية، كانت هناك سفرة أخرى أكثر بساطة، تتصدرها أكلات صنعتها الجدات بما توفر في البيت والحقل، وحفظتها الأمهات جيلاً بعد جيل.
لكن كثيراً من هذه الأطباق بدأ يتراجع أمام تغير أنماط الحياة، وانتشار المطاعم والوجبات الجاهزة، وتراجع الوقت المخصص للطهي المنزلي، حتى أصبح بعضها لا يعيش إلا في ذاكرة كبار السن أو في قرى ومناطق محدودة.
وتشير تقارير مصرية متخصصة في المطبخ التراثي إلى أن عدداً من الأكلات المصرية القديمة بات قريباً من الاندثار أو أقل حضوراً لدى الأجيال الجديدة، بينما لا تزال أطباق أخرى مستمرة ولكن بصورة محدودة أو مرتبطة بمناسبات معينة.
الخبيزة
ربما تبدو الخبيزة لجيل ألفا أقرب إلى اسم نبات منه إلى طبق يمكن أن يوضع على مائدة الغداء، لكنها كانت من الأكلات المعروفة في الريف وصعيد مصر.
وتُحضّر الخبيزة من أوراق نبات أخضر، وتُطهى بطرق تختلف من منطقة إلى أخرى، ومن بينها إعدادها مع المرق والتوابل، فيما تشبه في قوامها وطريقة تناولها بعض أطباق الخضراوات الورقية. وتشير مصادر مصرية إلى أن الخبيزة كانت معروفة منذ عصور قديمة، واستخدمها المصريون في الطعام وغيره.
واليوم، لا تزال موجودة في بعض المناطق، لكنها لم تعد من الأطباق اليومية المعروفة لدى قطاعات واسعة من المصريين.
الفول النابت
قبل أن يختزل الفول المصري في طبق الفول المدمس والطعمية، كان هناك الفول النابت، وهو من الأطباق القديمة التي ما زالت حاضرة في بعض البيوت والمناطق، لكنها أصبحت أقل انتشاراً.
وتقوم فكرته على إنبات حبوب الفول ثم إعدادها بطريقة تختلف عن الفول المدمس التقليدي.
وقد أدرجته مصادر صحفية ضمن مجموعة من الأكلات المصرية التي لم تعد معروفة لدى قطاعات كبيرة من الأجيال الحديثة.
الويكة
إذا كان جيل ألفا يعرف البامية في صورتها التقليدية، فقد لا يعرف أن للصعيد طريقة أخرى في إعدادها تحمل اسم الويكة.
وتُعد الويكة من البامية، لكن بطريقة مختلفة، إذ تطهى مع المرق ثم تُضرب أو تُفرك حتى تصل إلى قوامها المعروف، وتضاف إليها «التقلية» أو «الطشة»، في طريقة تشبه في بعض تفاصيلها إعداد الملوخية. وتُعد من الأطباق الصعيدية التراثية التي ما زالت موجودة، وإن كان انتشارها خارج مناطقها الأصلية محدوداً.
الشلولو
من أكثر الأطباق إثارة للدهشة بالنسبة إلى الأجيال الجديدة الشلولو، فكيف يمكن إعداد طبق من الملوخية من دون نار؟.
الشلولو يعتمد على الملوخية الجافة، والثوم والبصل والليمون والماء، وتُحضّر مكوناته بطريقة بسيطة من دون طهي تقليدي. وتشير مصادر ثقافية مصرية إلى ارتباطه بالمطبخ الشعبي في صعيد مصر، وإلى جذوره القديمة في طرق تناول المصريين للخضراوات الورقية.
وقد عاد اسم الشلولو إلى الظهور إعلامياً خلال السنوات الماضية، لكنه لا يزال طبقاً غير مألوف بالنسبة إلى كثير من الشباب.
المفروكة
في زمن لم يكن فيه إهدار الطعام أمراً مقبولاً، ظهرت أطباق اعتمدت على إعادة استخدام مكونات متاحة في البيت، ومن بينها المفروكة التي ارتبطت بمناطق مصرية مختلفة وطرق إعداد شعبية قديمة.
وتأتي المفروكة ضمن قائمة أكلات تراثية ما زالت معروفة في بعض المناطق، بينما أصبحت أقل حضوراً على الموائد الحديثة.
العصيدة
العصيدة أيضاً من الأطعمة التي تراجعت من المائدة اليومية، رغم ارتباطها بالمطبخ الشعبي في عدد من المناطق.
وتختلف طريقة إعدادها ومكوناتها بحسب المنطقة، لكنها تقوم في جوهرها على مكونات بسيطة، وهو ما يعكس طبيعة المطبخ المصري القديم الذي اعتمد بدرجة كبيرة على الحبوب والمواد الزراعية المتاحة محلياً.
كشك ألماظية
ومن الأسماء التي قد تثير ارتباكاً لدى الأجيال الجديدة الكشك ألماظية، إذ تختلف وصفته من منطقة إلى أخرى، كما تختلف مكوناته وطريقة إعداده.
ومع أن الاسم لا يزال معروفاً لدى المصريين، فإن بعض طرق إعداد الكشك التراثية أصبحت أقل تداولاً، شأنها شأن مجموعة من الأطباق الريفية والصعيدية التي كانت جزءاً من الحياة اليومية ثم تحولت تدريجياً إلى وصفات موسمية أو عائلية.
وقد أدرجت مصادر مصرية الكشك ضمن الأكلات التراثية التي اقترب بعضها من الاختفاء.
سد الحنك
من الأسماء التي قد تبدو لجيل ألفا أقرب إلى «مادة فكاهية» منها إلى وصفة منزلية سد الحنك، وهي حلوى مصرية قديمة تعتمد على مكونات بسيطة وهي الدقيق والسكر وماء الورد، واشتهرت بها البيوت المصرية في أوقات سابقة.
ومع تغير الذوق وانتشار الحلويات الجاهزة، تراجع حضورها بصورة كبيرة، حتى أصبحت من الأطباق التي يعرفها البعض من خلال حكايات الأمهات والجدات أكثر مما يعرفونها من تجربة تناولها.
وقد أدرجت مصادر صحفية «سد الحنك» ضمن قائمة أكلات مصرية قديمة لم تعد معروفة على نطاق واسع لدى الأجيال الحديثة.
الجابوري
ومن الأطعمة التراثية التي ارتبطت بمناطق مصرية معينة الجابوري، وهو أحد أنواع الخبز الشعبي القديم الذي تراجع حضوره مع انتشار المخابز الحديثة وتنوع منتجاتها.
ويظهر الجابوري ضمن قائمة طويلة من الأطعمة والمشروبات التراثية التي ما زالت موجودة في بعض المناطق، لكنها لم تعد جزءاً من المائدة اليومية لغالبية المصريين.
أطباق أخرى لا تزال تقاوم النسيان
ولا تتوقف القائمة عند هذه الأسماء، إذ تضم ذاكرة المطبخ المصري أطباقاً أخرى مثل المدفونة، وشوربة أبوقرن، والسرمباق، والنجاري، والملوخية الناشفة، والإبراي، والفراشيح، وهي أسماء قد تبدو غريبة على مسامع كثير من أبناء الأجيال الجديدة، بينما لا تزال معروفة في مناطق أو مجتمعات محلية محددة.
وصفة مصورة
المفارقة أن بعض هذه الأكلات بدأت تعود إلى الظهور من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الطبخ، لكن في صورة مختلفة، فبدلاً من أن تنتقل الوصفة من الجدة إلى الابنة ثم الحفيدة، أصبحت تنتقل عبر فيديو قصير أو وصفة مصورة.
وهنا تكمن إحدى مفارقات العصر فالتكنولوجيا التي ساهمت في تغيير عادات الطعام يمكن أن تصبح أيضاً وسيلة لإنقاذ وصفات كانت مهددة بالنسيان.
فالمشكلة ليست في أن المطبخ المصري تغير، فالمطبخ بطبيعته كائن يتطور ويتأثر بالاقتصاد والهجرة والمدينة والموضة وتوافر المكونات، لكن الخطر يبدأ عندما تختفي الوصفة الأصلية واسمها وقصتها وطريقة إعدادها، فلا يبقى منها سوى ذكرى عابرة.
جيل ألفا، الذي نشأ في عالم مختلف تماماً عن عالم الجدات، يعرف أسماء علامات الطعام العالمية، ويشاهد وصفات من مطابخ مختلفة عبر الهاتف، وربما يستطيع إعداد طبق من مطبخ آسيوي أو أوروبي قبل أن يعرف كيف كانت جدته تطهو الخبيزة أو الويكة أو الفول النابت.
وهنا لا تصبح القضية مجرد حنين إلى «أكل زمان»، وإنما سؤال عن الذاكرة الغذائية بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية.
فالمطبخ المصري لم يكن مجرد وصفات، كان انعكاساً للبيئة والزراعة والمواسم والاقتصاد والعادات الاجتماعية، فيما تؤكد مصادر ثقافية مصرية أن الطعام ارتبط عبر التاريخ بطبيعة كل منطقة ومواردها، وأن بعض طرق إعداد الأطعمة القديمة لا تزال محفوظة في صعيد مصر ومناطق أخرى.