دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد الجوي والاقتصادي، مع موجة واسعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية استهدفت كييف وخاركيف وأوديسا، وأوقعت قتلى وجرحى، بالتزامن مع تكثيف أوكرانيا ضرباتها بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، وصولاً إلى تعطيل شحنات الحبوب في كراسنودار وإعلان حالة الطوارئ هناك. ويأتي التصعيد بينما تتعثر خطوط المواجهة الممتدة لنحو 1250 كيلومتراً، وتتواصل التحركات الدبلوماسية الأمريكية، وسط خلاف جوهري بين موسكو وكييف بشأن شروط وقف القتال وشكل أي تسوية محتملة.
وقُتل 8 أشخاص على الأقل في الهجمات الروسية الجديدة، بينهم 6 في منشأة زراعية ببلدة ستارا هنيليزيا في منطقة خاركيف، فيما أصيب 12 آخرون. وكان الضحايا يفرزون الخضر عندما استهدفت طائرة مسيّرة المنشأة، بينما قُتل رجل وامرأة في هجوم على كييف، وتعرضت أوديسا لقصف عنيف.
وأعلن سلاح الجو الأوكراني أن روسيا أطلقت خلال الليل 282 طائرة مسيّرة إلى جانب صواريخ زيركون وإسكندر ومنظومات صاروخية أخرى، وقال إن الدفاعات أسقطت 219 مسيّرة و4 صواريخ زيركون و3 صواريخ باليستية ومسيّرة صاروخية، فيما كانت أوديسا وكييف من أبرز الأهداف. وتتوافق حصيلة الأهداف الجوية المعلنة مع تقارير منشورة عن الهجوم.
وقال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن البنية التحتية المدنية والمباني السكنية ومنشآت الطاقة والخدمات اللوجستية كانت ضمن الأهداف، وطالب خلال لقاءات في نيويورك بتشديد العقوبات وتعزيز الدفاعات الجوية، لا سيما قدرات اعتراض الصواريخ الباليستية.
استنزاف
وبحسب بيانات هيئة الأركان الأوكرانية، ارتفع عدد قتلى وجرحى العسكريين الروس منذ فبراير 2022 إلى نحو 1,523,980، بينهم 1540 خلال 24 ساعة، كما قالت إن القوات الأوكرانية دمرت منذ بداية الحرب 12367 دبابة و25402 مركبة مدرعة و50240 نظام مدفعية و2154 راجمة صواريخ و1669 نظام دفاع جوي و443 طائرة و356 مروحية و531352 مسيّرة و5111 صاروخ كروز و35 سفينة حربية وغواصتين و152782 مركبة، وخزان وقود، و4740 قطعة من المعدات الخاصة. ويتعذر التحقق بصورة مستقلة من هذه الأرقام.
وفي المقابل، امتدت الضربات الأوكرانية إلى العمق الروسي، إذ قالت سلطات روستوف إن حطام مسيّرات ألحق أضراراً بمبنى إداري تابع لمصفاة نفط دون حريق، بينما اندلع حريق لفترة وجيزة في منشأة صناعية بكراسنودار.
ضغوط
وأعلن حاكم كراسنودار، فينيامين كوندراتييف، حالة الطوارئ، قائلاً إن الهجمات الأوكرانية المكثفة على البنية اللوجستية أدت إلى تعليق عمليات الموانئ وتعطيل الشحن في البحر الأسود ومنعت منتجين زراعيين من بيع جزء كبير من محاصيلهم، ما رفع المعروض المحلي.
سياسياً، أكد الكرملين أن موسكو تقول إنها منفتحة على تسوية سلمية لكنها تريد «السلام» لا هدنة مؤقتة، فيما أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف أن روسيا لن توقف ما تسميه «العملية العسكرية الخاصة»، معتبراً أن أوروبا قد تستغل أي توقف للقتال لإعادة تسليح أوكرانيا.
وفي المقابل، قال زيلينسكي إن بلاده مستعدة لخطوات تهدئة متبادلة، وجدد أمام الأمم المتحدة مطالبته بحرمان روسيا من الإيرادات عبر العقوبات والقيود التجارية. ورفض اقتراح فلاديمير بوتين عقد لقاء في موسكو، قائلاً رداً على سؤال عن موعد ذهابه إليها إنه لن يفعل ذلك إلا «على متن صاروخ»، بعدما أكد مراراً استعداده للقاء الرئيس الروسي، لكن ليس في العاصمة الروسية.
وتتزامن المواجهة مع استئناف الوساطة الأمريكية، بعدما أجرى ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر محادثات مع الطرفين، فيما وُجهت دعوة إلى بوتين للمشاركة في قمة مجموعة العشرين في ميامي في ديسمبر. وأكد الاتحاد الأوروبي أن احتمال مشاركة الرئيس الروسي لن يغير موقفه المعلن بإدانة الغزو.
كما اتسعت تداعيات الهجمات إلى دول الجوار، إذ أعلنت رومانيا أن مسيّرة انتهكت مجالها الجوي لمدة 4 دقائق قبل سقوطها قرب بلدة شمالية، فيما قالت مولدوفا إنها رصدت انتهاكات جوية دفعتها إلى إغلاق جزء من مجالها الجوي شمال البلاد.
وبينما تسيطر روسيا حالياً على نحو خمس الأراضي الأوكرانية، بما فيها شبه جزيرة القرم التي ضمتها عام 2014، تكشف التطورات الأخيرة أن جمود الجبهة البرية لا يعني تراجع الحرب، بل انتقال جانب متزايد منها إلى السماء والبنية الاقتصادية والطاقة والموانئ، حيث تحاول كل جهة رفع كلفة استمرار القتال على الأخرى في وقت لا تزال فيه التسوية السياسية بعيدة.