لم يعد التحدي في قطاع غزة يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل أصبح يتعلق بقدرة نحو مليوني فلسطيني على استعادة حياة طبيعية وسط دمار واسع ونزوح متواصل وضربات إسرائيلية شبه يومية. وفي هذا السياق، اكتسب قرار الكابينيت الإسرائيلي، الصادر الأحد 26 يوليو، أهمية تتجاوز جانبه القانوني، لأنه سمح للمرة الأولى بالمضي في ترتيبات دخول قوة الاستقرار الدولية، ونقل خطة «اليوم التالي» خطوة من التفاهمات السياسية إلى اختبار التنفيذ على الأرض.

لكن القرار الإسرائيلي لا يعني بدء انتشار شامل للقوة أو تسليم إدارة قطاع غزة إلى المؤسسات الانتقالية. فقد نقلت وكالة «رويترز»، الأحد، عن مسؤول إسرائيلي أن القوة ستعمل في مناطق لا تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، وأن دخول كل دولة مشاركة يحتاج إلى موافقة إسرائيلية منفصلة، فيما لم يحدد المسؤول موعداً فعلياً لبدء الانتشار. وأضاف أن المرحلة الأولية قد تضم نحو مئتي عنصر من دول بينها المغرب وأوغندا.

وفي اليوم نفسه، قالت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نقلاً عن مسؤول إسرائيلي، إن الكابينيت أقر الإطار القانوني والحصانات اللازمة لعمل القوة، لكنه أبقى دخول أفرادها خاضعاً لموافقة رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والخارجية. وبذلك، يزيل القرار عقبة قانونية أمام الخطة، لكنه لا يمثل حتى الآن انتشاراً ميدانياً مكتملاً.

وتبدأ الخطة من رفح، لا من كامل القطاع. وكانت «رويترز» قد نقلت، في 8 يوليو الجاري، عن مسؤول في مجلس السلام أن المجلس يعمل على إنشاء منطقة إنسانية تجريبية تستوعب عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وتُوسع فيها المساعدات والخدمات للسكان الراغبين في الانتقال إليها، حتى قبل التوصل إلى اتفاق مع «حماس» بشأن المرحلة الثانية. ولم يحدد المسؤول آنذاك موقع المنطقة، قبل أن تكشف التقارير اللاحقة أن البداية ستكون في رفح.

وذكرت صحيفة «فايننشال تايمز»، في 22 يوليو، أن المشروع المقترح في رفح يقوم على إدارة مدنية تتولاها لجنة إدارة غزة، وترتيبات أمنية تراقبها قوة الاستقرار الدولية، داخل منطقة تخضع حالياً للسيطرة العسكرية الإسرائيلية وأُخلي معظم سكانها. ويعني ذلك أن التجربة لا تستبدل إدارة قائمة في مدينة مستقرة، بل تحاول بناء نموذج مدني وأمني جديد داخل مساحة مدمرة ومفرغة إلى حد كبير من سكانها.

وكان البيت الأبيض قد أعلن، في 16 يناير الماضي، أن خطة الرئيس دونالد ترامب توزع الأدوار بين ثلاثة مستويات، إذ تتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة الخدمات العامة وبناء المؤسسات المدنية، ويشرف مجلس السلام على التنفيذ وإعادة الإعمار والتمويل، فيما تتولى قوة الاستقرار المهمات الأمنية ودعم قوات شرطة فلسطينية مدققة.

ويستند هذا الهيكل إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي أُقر في 17 نوفمبر 2025 بتأييد 13 دولة وامتناع روسيا والصين، وأجاز إنشاء قوة استقرار دولية ووضع المؤسسات التنفيذية تحت السلطة الانتقالية لمجلس السلام.

وتصطدم تجربة رفح بواقع ميداني شديد التعقيد. فقد قدرت «رويترز»، الأحد، أن إسرائيل تسيطر عسكرياً على نحو 64% من القطاع وتعتزم توسيع النسبة إلى قرابة 70%، بينما يعيش معظم السكان في شريط ساحلي مكتظ، داخل خيام أو مبانٍ متضررة. وأشارت الوكالة في اليوم نفسه إلى استمرار العمليات الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار.

وفي 21 يوليو الجاري، أظهرت صور أقمار صناعية حللتها وكالة «أسوشيتد برس» أن الجيش الإسرائيلي بنى أكثر من 23 كيلومتراً من السواتر الترابية بمحاذاة ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي كان يفترض أن يكون خط انسحاب مؤقتاً. وأكد الجيش للوكالة بناء الحاجز، وقال إنه جزء من «منطقة أمنية» مزودة بوسائل مراقبة لمنع التسلل، فيما أظهرت الصور امتداد أجزاء منه إلى ما وراء الخط في بعض المواقع.

سلاح «حماس»

أما العقدة الأصعب، فتبقى سلاح «حماس». فقد أكد قرار مجلس الأمن الصادر في 17 نوفمبر 2025 أن الخطة تستهدف نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، بينما أفادت «رويترز»، الأحد، بأن الحركة لم تسلم سلاحها وأن التقدم في المرحلة الثانية لا يزال متوقفاً.

لذلك، لا تمثل موافقة الكابينيت بداية مكتملة لمرحلة جديدة، بل أول محاولة لاختبارها في نطاق محدود. ونجاح تجربة رفح لن يقاس فقط بعدد القوات التي ستنتشر أو اللجان التي ستتشكل، بل بقدرتها على توفير الأمن، وإعادة المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية، وتهيئة عودة السكان إلى بيوت آمنة. فإذا تحقق ذلك، قد تصبح رفح نموذجاً قابلاً للتوسع، أما إذا اصطدمت التجربة بالسيطرة العسكرية الإسرائيلية، أو تعثر انتشار القوة، أو بقي ملف السلاح من دون تسوية، فقد تثبت أن أصعب مراحل خطة غزة ليست صياغتها دولياً، بل تحويلها إلى واقع يمكن للناس أن يعيشوه.