كشفت مؤشرات حديثة عن تحول لافت في قطاع السفر العالمي، حيث أصبحت شركات الطيران والفنادق تركّز بصورة متزايدة على المسافرين ذوي الدخل المرتفع، في وقت يواجه فيه أصحاب الميزانيات المحدودة ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف السفر، ما يعمّق ما يصفه الخبراء بـ "الاقتصاد على شكل حرف K"، الذي تتباين فيه الفرص والقدرة الشرائية بين الأغنياء وبقية المستهلكين.
ويشير هذا المفهوم الاقتصادي إلى أن فئات المجتمع لا تتأثر بالظروف الاقتصادية بالطريقة نفسها، إذ تتجه شريحة نحو مزيد من الازدهار والإنفاق، بينما تواجه شريحة أخرى ضغوطًا مالية متزايدة، وهو ما بات واضحًا في قطاعي الطيران والضيافة.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح في قطاع الطيران، حيث تعيد شركات كبرى مثل دلتا وأمريكان إيرلاينز ويونايتد إيرلاينز توجيه استثماراتها نحو خدمات السفر الفاخرة، بعدما أثبتت أنها تحقق عوائد أعلى من مقاعد الدرجة الاقتصادية.
وبحسب بيانات حديثة، تراجعت مبيعات مقاعد الدرجة السياحية لدى شركة دلتا بنسبة 7% خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، في المقابل ارتفعت مبيعات تذاكر درجتي رجال الأعمال والدرجة الأولى بنسبة 9%.
وللمرة الأولى في تاريخ الشركة، تجاوزت إيرادات التذاكر الفاخرة إيرادات مقاعد الدرجة الاقتصادية، في مؤشر يعكس تغيرًا واضحًا في أنماط الإنفاق على السفر.
توترات جيوسياسية
وفي المقابل، يواجه المسافرون محدودو الدخل ارتفاعًا متواصلًا في أسعار التذاكر، نتيجة زيادة تكاليف الوقود والتوترات الجيوسياسية التي أثرت في حركة الطيران العالمية.
وتسببت هذه الزيادات في تضييق الخيارات أمام المسافرين الباحثين عن رحلات منخفضة التكلفة، كما وضعت شركات الطيران الاقتصادية تحت ضغوط مالية متزايدة.
وكانت شركة سبيريت إيرلاينز، التي اشتهرت بتقديم رحلات منخفضة التكلفة، قد أعلنت مؤخرًا وقف عملياتها، مشيرة إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار الوقود كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى عدم قدرتها على الاستمرار.
الفنادق الفاخرة تحصد المكاسب
ولا يقتصر هذا الاتجاه على شركات الطيران، بل يمتد أيضًا إلى قطاع الفنادق، فبحسب دراسة صادرة عن JLL Research، سجلت الفنادق الفاخرة خلال الفترة بين نوفمبر 2024 ونوفمبر 2025 نموًا بنسبة 2.9% في الإيرادات لكل غرفة متاحة.
في المقابل، تراجعت إيرادات الفنادق المتوسطة بنسبة 2.6%، بينما انخفضت إيرادات الفنادق الاقتصادية بنسبة 4.1%، ما يعكس تحولًا متزايدًا في إنفاق المسافرين القادرين نحو تجارب إقامة أكثر فخامة.
ورغم ارتفاع التكاليف، لا يزال الإقبال على السفر قائمًا، إذ تشير استطلاعات إلى أن نحو ثلثي الأمريكيين يخططون للقيام برحلة داخلية واحدة أو أكثر خلال فصل الصيف.
لكن كثيرًا منهم أصبحوا يعتمدون على حلول بديلة لتخفيف الأعباء المالية، مثل استخدام أميال السفر، ونقاط الولاء الفندقية، والبحث المستمر عن العروض والخصومات عبر المواقع الإلكترونية.
وجهات بديلة
كما شهدت الفترة الأخيرة انتشار ظاهرة تعرف باسم "الوجهات البديلة" (Destination Dupes)، حيث يتجه المسافرون إلى مدن توفر تجربة سياحية مشابهة للوجهات العالمية الشهيرة، ولكن بتكاليف أقل بكثير.
فعوضًا عن زيارة باريس أو روما، يختار البعض مدنًا مثل بروكسل في بلجيكا أو نابولي الإيطالية، التي تقدم طابعًا ثقافيًا وتاريخيًا قريبًا مع أسعار أكثر ملاءمة.
ويرى محللون أن هذه المؤشرات تعكس تحولًا هيكليًا في صناعة السفر، حيث أصبحت الشركات تركز بصورة أكبر على المسافرين ذوي الإنفاق المرتفع لتعويض ارتفاع التكاليف وتعزيز الأرباح، بينما يواجه أصحاب الدخل المتوسط والمحدود خيارات أقل وأسعارًا أعلى.
ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الاتجاه قد يجعل السفر تدريجيًا امتيازًا لفئات محددة، في وقت يضطر فيه ملايين المسافرين إلى تقليص رحلاتهم، أو تغيير وجهاتهم، أو التخلي عن بعض الخدمات التي كانت تُعد سابقًا جزءًا أساسيًا من تجربة السفر.