في الوقت الذي تواصل فيه براغ حضورها بوصفها واحدة من أكثر العواصم الأوروبية رسوخاً في ذاكرة المسافر، تتحرك جمهورية التشيك اليوم لإعادة تعريف تجربتها السياحية خارج الصورة التقليدية للعاصمة التاريخية، عبر تسليط الضوء على شمال بوهيميا بوصفه وجهاً آخر للبلاد، أكثر التصاقاً بالطبيعة، وأكثر قرباً من الحرف، وأكثر قدرة على تقديم تجربة سفر هادئة وعميقة تدعو الزائر إلى معايشة المكان بتفاصيله.
ومن هذا التحول، تتشكل صورة سياحية جديدة لجمهورية التشيك تقوم على مسار متنوع يبدأ من العاصمة ويمتد نحو الجبال والغابات والورش والقرى وحضور الزجاج البوهيمي كأحد رموز الهوية المحلية، كلها عناصر تتداخل لتقديم شمال بوهيميا بوصفه امتداداً أكثر هدوءاً وعمقاً للتجربة التشيكية.
رؤية تنموية
تؤكد باربرا أنديلوفا، مدير التسويق الدولي للأسواق الجديدة في هيئة السياحة التشيكية في تصريح لـ«البيان»، أن الهدف من الترويج الدولي لشمال بوهيميا لا يقتصر على إبراز جمال المكان، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم المنطقة كوجهة متكاملة تجمع بين الطبيعة والثقافة والحرفة ضمن رؤية تنموية متوازنة، فالسياحة، وفق هذا التصور، ليست حملة ترويجية عابرة، وإنما أداة لتعزيز تنافسية المنطقة، وتحسين جودة الخدمات، ورفع الأثر الاجتماعي والاقتصادي على المجتمعات المحلية.
وتبدو هذه الرؤية أكثر وضوحاً حين تربط أنديلوفا شمال بوهيميا بمفهوم السياحة المسؤولة، فالرسالة التي تسعى هيئة السياحة التشيكية إلى إيصالها للعالم هي أن المنطقة تقدم وجهاً أصيلاً ومتجدداً من وجوه التشيك، حيث تلتقي الطبيعة الاستثنائية بالتراث الحرفي العريق، وتتحول التجربة الثقافية إلى ممارسة يومية حية، وبذلك يقدم شمال بوهيميا كمكان يُعاش بإيقاعه الخاص.
خصوصية ثقافية
ويحضر الزائر العربي في قلب هذه الاستراتيجية بوصفه جزءاً من سوق واعد في منطقة الشرق الأوسط، وترى أنديلوفا أن هناك فرصة مهمة لتعريف الزوار من المنطقة بما يقدمه شمال بوهيميا من طبيعة راقية، وخصوصية ثقافية، وتجارب نوعية تناسب الباحثين عن التميز والأصالة، فالوجهة هنا لا تراهن على الزحام أو الاستهلاك السريع، بل على الجودة والهدوء والتفرد.
من جهته، يقدم ديفيد باستفا، رئيس مجلس السياحة في منطقة ليبيريتس في تصريح لـ«البيان»، قراءة أكثر قرباً من الأرض، حين يصف شمال بوهيميا كوجهة تجمع في نطاق واحد بين الطبيعة الخلابة، والتاريخ، والعمارة، والحرف التقليدية، فمنطقة ليبيريتس، التي تمثل قلب شمال بوهيميا، تحتضن جنة بوهيميا بتكويناتها الصخرية الشهيرة، وجبل ييشتيد الأيقوني، وجبال يزيرا، إلى جانب تقاليد صناعة الزجاج التشيكي التي تعد من أبرز عناصر هوية المنطقة.
ويرى باستفا أن الزائر في شمال بوهيميا يجد نفسه أمام شبكة واسعة من مسارات المشي وركوب الدراجات، ورحلات القطار وسط المناظر الطبيعية، والأنشطة الصيفية والشتوية، بما يجعل التفاعل مع المكان جزءاً أساسياً من الرحلة.
تجربة مستدامة
وفي مقابل جاذبية الطبيعة، يبرز سؤال الاستدامة بوصفه اختباراً حقيقياً لمستقبل الوجهة، ويشير باستفا إلى أن نجاح السياحة لا يقاس بعدد الزوار وحده، بل بقدرتها على حماية المكان نفسه، ولهذا تركز البرامج الرسمية في التشيك على تطوير البنية الأساسية، وتسهيل حركة الزوار، وتوزيعهم على نطاق أوسع داخل الوجهات، بما يحافظ على البيئة والمجتمعات المحلية، ويرفع في الوقت نفسه جودة التجربة السياحية.
تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في منطقة تمتلك مواقع طبيعية ذات قيمة استثنائية، من جنة بوهيميا، المعروفة بتكويناتها الصخرية ومساراتها، إلى جبل ييشتيد الذي يشكل رمزاً بصرياً ومعمارياً للمنطقة، مروراً بغابات الزان القديمة في جبال يزيرا، وتكوين بانسكا سكالا المعروف باسم «الأرغن الحجري»، وهذه المواقع لا تقدم للزائر مشهداً جمالياً فحسب، بل تكشف عن علاقة طويلة بين الجغرافيا والهوية، وبين الطبيعة ونمط العيش المحلي.
وادي الكريستال
وتتعمق خصوصية شمال بوهيميا حين تنتقل الصورة من الجبال والغابات إلى الحرف، فالحرف التقليدية، وفق باستفا، ليست قطاعاً إنتاجياً فقط، بل جزء أصيل من الذاكرة المحلية، ويظهر ذلك بوضوح في وادي الكريستال، حيث تلتقي الشركات والمتاحف والمدارس والورش تحت مظلة واحدة، مستندة إلى أكثر من سبعة قرون من تقاليد الزجاج والمجوهرات، وفي هذا الوادي، لا يعرض التراث بوصفه ذكرى محفوظة خلف الزجاج، بل كتجربة حية يستطيع الزائر أن يراها في الورش، وأن يلمس أثرها في المتاحف والمعارض والمنتجات المعاصرة.
ويبرز الزجاج البوهيمي باعتباره أحد أهم مفاتيح فهم شمال بوهيميا، فالزجاج البوهيمي، أو الكريستال التشيكي، ليس مجرد منتج فاخر، بل مدرسة متكاملة في الصنعة والجمال، وقد ترسخت شهرته منذ القرن السابع عشر بفضل صفائه وبريقه وصلابته وملاءمته للنقش والقطع العميق، قبل أن يتحول تدريجياً إلى علامة أوروبية ثم عالمية، تجمع بين المهارة اليدوية والقدرة على مواكبة التصميم الحديث.
وتكشف سيرة هذه الصناعة عن علاقة وثيقة بين البيئة والحرفة، فقد ساعدت غابات شمال بوهيميا تاريخياً في توفير الوقود والرماد الخشبي اللازم لإنتاج البوتاس، كما أسهمت المواد الأولية الطبيعية في نشوء تقاليد زجاجية عريقة، ومع مرور الزمن، تخصصت مدن مختلفة في فروع محددة، فـ«نوفي بور» ارتبطت بإنتاج الزجاجيات والقطع الضوئية الكبيرة، بينما اشتهرت «يابلونيتس» بالأعمال الدقيقة والخرز والمجوهرات الزجاجية.
مركز للفن المعاصر
وتبرز زيارة باشينك غلاس في وادي الكريستال مثالاً حياً على هذا التحول، فهذا المكان ليس مصنعاً تقليدياً فحسب، بل مركز للفن الزجاجي المعاصر، يجمع بين ورش النفخ اليدوي، وغرفة القطع، ومعرض البيع، وحديقة الكريستال التي تمزج النباتات الطبيعية بمنحوتات زجاجية مضاءة، ومعبد الزجاج الذي يحول كنيسة تاريخية إلى مساحة فنية وروحية قائمة على الضوء والشفافية. ومن خلال أعمال جيري باشينك المستوحاة من الطبيعة، يظهر الزجاج بوصفه مادة قادرة على رواية قصة المكان، لا مجرد سلعة فاخرة.
وتتقاطع هذه التجربة مع الطموح الأكبر لشمال بوهيميا، وهي أن تكون السياحة جسراً بين الماضي والمستقبل، فالمدارس المتخصصة، مثل المدرسة الثانوية لصناعة الزجاج في كامينيتسكي شينوف التي تأسست عام 1856، تسهم في نقل المهارات إلى الأجيال الجديدة، فيما تواصل الشركات الحديثة تحويل الحرفة إلى قطاع إبداعي عالمي حاضر في الفن والعمارة والضيافة الفاخرة. غير أن هذا القطاع، رغم مكانته الرمزية، يواجه تحديات تتعلق بتكاليف الطاقة، والتحول البيئي، والمنافسة العالمية، واستقطاب الشباب إلى المهن الحرفية.
وتشير الخطط المستقبلية، كما تطرحها هيئة السياحة التشيكية، إلى مرحلة تقوم على الجودة والاستدامة والإدارة الذكية للوجهات، فالرهان المقبل لا يتمثل في زيادة أعداد السياح، بل في رفع القيمة النوعية للزيارة، وتطوير الخدمات، والحفاظ على الهوية الطبيعية والثقافية التي تشكل جوهر شمال بوهيميا، وهكذا تبدو المنطقة مرشحة لأن تكون إحدى أبرز الوجهات الأوروبية للباحثين عن الفن والجمال.