في اكتشاف علمي قد يفتح آفاقاً جديدة لتشخيص الاكتئاب، توصل باحثون إلى أن قياس الشيخوخة البيولوجية لنوع معين من خلايا الدم البيضاء قد يساعد على رصد بعض الأعراض النفسية والمعرفية للمرض، مثل اليأس وفقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة، ما يمهد الطريق لتطوير اختبارات دم قد تدعم التشخيص مستقبلاً.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية The Journals of Gerontology: Series A في مايو 2026، أن تسارع الشيخوخة البيولوجية للخلايا الوحيدة، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء التي تؤدي دوراً مهماً في الجهاز المناعي، يرتبط بأعراض نفسية محددة للاكتئاب، لكنه لا يرتبط بالأعراض الجسدية، مثل الإرهاق وتغيرات الشهية.
لماذا يصعب تشخيص الاكتئاب؟
يعتمد الأطباء حالياً على تقييم الأعراض التي يصفها المرضى لتشخيص الاكتئاب، إذ لا يتوفر حتى الآن اختبار بيولوجي معتمد يمكنه تحديد الإصابة بالمرض بصورة موثوقة. ورغم أن تحاليل الدم قد تساعد على استبعاد بعض الأسباب الطبية الأخرى للأعراض، فإنها لا تستطيع بمفردها تأكيد تشخيص الاكتئاب.
وتكمن إحدى الصعوبات في اختلاف مظاهر المرض من شخص إلى آخر، فبينما يعاني بعض المصابين أعراضاً جسدية، مثل التعب وفقدان الشهية، يواجه آخرون أعراضاً نفسية ومعرفية، أبرزها الشعور المستمر باليأس وفقدان المتعة أو الاهتمام بالأنشطة التي كانت تمنحهم السعادة.
وقالت نيكول بولو بييريز، الباحثة الرئيسية في الدراسة والأستاذة المساعدة في كلية التمريض بجامعة نيويورك، إن الاكتئاب ليس اضطراباً متشابهاً لدى الجميع، بل تختلف مظاهره بين الأفراد، مشيرة إلى أن نتائج الدراسة تكشف عن أسس بيولوجية للصحة النفسية قد لا تظهر بوضوح عند التعامل مع الاكتئاب باعتباره تشخيصاً واحداً.
لماذا ركزت الدراسة على النساء المصابات بفيروس HIV؟
ركز الباحثون على النساء المصابات بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، نظراً إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب لدى الأشخاص الذين يعيشون مع حالات صحية تؤثر في الجهاز المناعي.
وقد تسهم عوامل عدة في هذا الارتباط، منها الالتهابات المزمنة والوصمة الاجتماعية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية. كما يمكن أن يؤدي عدم اكتشاف الاكتئاب أو علاجه إلى صعوبات في الالتزام بالرعاية الطبية وتناول الأدوية المضادة للفيروسات بانتظام، وهي أمور أساسية للسيطرة على عدوى HIV.
وقالت بييريز إن فهم ما يحدث لدى النساء المصابات بالفيروس، والكشف عن الاكتئاب في وقت مبكر، قد يساعدان على الحد من تأثيره في صحتهن العامة.
ولدراسة العلاقة المحتملة بين الاكتئاب والشيخوخة البيولوجية، استعان الباحثون بما يُعرف بـ«الساعات اللاجينية»، وهي أدوات تقيس التغيرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي (DNA)، وتساعد على تقدير العمر البيولوجي للخلايا والأنسجة.
ويختلف العمر البيولوجي عن العمر الزمني؛ فالأخير يُحسب بعدد السنوات منذ الولادة، بينما يعكس الأول التغيرات التي تحدث داخل الجسم بمرور الوقت.
تحليل عينات الدم يكشف ارتباطاً لافتاً
حلل فريق البحث بيانات 440 امرأة مشاركة في دراسة «النساء المشتركة بين المؤسسات المعنية بفيروس نقص المناعة البشرية»، من بينهن 261 امرأة مصابة بالفيروس و179 امرأة غير مصابة به.
وقيّم الباحثون أعراض الاكتئاب باستخدام مقياس معياري يتكون من 20 سؤالاً، ثم حللوا عينات الدم باستخدام ساعتين لاجينيتين؛ إحداهما لتقدير الشيخوخة البيولوجية عبر أنواع متعددة من الخلايا والأنسجة، والأخرى لقياسها تحديداً في الخلايا الوحيدة.
وأظهرت النتائج أن تسارع الشيخوخة البيولوجية للخلايا الوحيدة يرتبط بالأعراض غير الجسدية للاكتئاب، ولا سيما فقدان المتعة والشعور باليأس والإحساس بالفشل. وظهر هذا الارتباط لدى النساء المصابات بفيروس HIV وغير المصابات به على حد سواء.
في المقابل، لم يجد الباحثون ارتباطاً مماثلاً بين شيخوخة هذه الخلايا والأعراض الجسدية للاكتئاب، كما لم تكشف الساعة اللاجينية التي تقيس الشيخوخة عبر أنواع متعددة من الخلايا والأنسجة عن علاقة واضحة بأعراض المرض.
وأوضحت بييريز أن هذه النتيجة تكتسب أهمية خاصة لدى المصابين بأمراض مزمنة، إذ قد يُعزى الإرهاق الذي يعانون منه إلى حالتهم الصحية الأساسية، في حين قد تمر الأعراض النفسية والمعرفية للاكتئاب دون اكتشاف.
وتشير النتائج إلى أن التركيز على الشيخوخة البيولوجية لخلايا مناعية محددة قد يكشف ارتباطات بالصحة النفسية لا تظهر عند قياس الشيخوخة على نطاق أوسع.
نتائج واعدة
على الرغم من النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن الدراسة لا تقدم حتى الآن اختبار دم معتمداً لتشخيص الاكتئاب، بل تحدد مؤشراً بيولوجياً محتملاً يحتاج إلى مزيد من البحث والتحقق قبل استخدامه في الممارسة الطبية.
ويتطلب الأمر إجراء دراسات إضافية لتحديد مدى موثوقية هذا المؤشر وقدرته على الكشف عن الاكتئاب لدى فئات سكانية مختلفة، قبل التفكير في دمجه ضمن أدوات التشخيص المعتادة.
وإذا أثبتت الأبحاث المستقبلية فعاليته، فقد يساعد هذا النهج على دعم التقييم النفسي التقليدي والكشف المبكر عن المرض، وربما الإسهام في اختيار العلاجات الأنسب لكل مريض، بما في ذلك تحديد الأدوية المضادة للاكتئاب الأكثر احتمالاً لتحقيق الاستجابة المطلوبة.
مؤشرات بيولوجية
وترى بييريز أن الجمع بين تجربة المريض الذاتية والمؤشرات البيولوجية الموضوعية يمثل هدفاً مهماً لتطوير رعاية نفسية أكثر دقة، خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
باب جديد
و تفتح الدراسة باباً جديداً لفهم العلاقة بين الجهاز المناعي والصحة النفسية، وتطرح احتمال الاستفادة من الشيخوخة البيولوجية للخلايا الوحيدة بوصفها مؤشراً مساعداً في تقييم بعض أعراض الاكتئاب، لكنها لا تزال خطوة بحثية أولية وليست بديلاً عن التشخيص الطبي المعتمد.