كشفت دراسة علمية حديثة عن آلية غير متوقعة قد تساعد أحد أخطر أنواع سرطان الدماغ، المعروف باسم الورم الأرومي الدبقي، على غزو الأنسجة السليمة المحيطة به، إذ أظهرت النتائج أن تعرض الخلايا السرطانية لفترات طويلة لبيئة سائلة عالية اللزوجة قد يجعلها أصغر حجماً وأكثر مرونة وقدرة على التسلل عبر المساحات الضيقة.
وتشير النتائج إلى أن الخلايا السرطانية لا تكتفي بالتكيف مع الظروف الفيزيائية المحيطة بها، بل قد تحتفظ أيضاً بما يشبه «الذاكرة الميكانيكية» التي تؤثر في سلوكها حتى بعد تغير تلك الظروف.
ينتشر الورم الأرومي الدبقي عندما تتسلل خلاياه إلى أنسجة الدماغ السليمة المجاورة، وخلال هذه العملية، تواجه الخلايا اختلافات في الخصائص الفيزيائية للسوائل المحيطة بها؛ إذ قد تصل لزوجة السائل عند الحافة الغازية للورم إلى نحو ثمانية أضعاف لزوجته قرب مركزه المتحلل.
ولفهم تأثير هذه البيئة، درس باحثون من مستشفى تشونغتشينغ العام وجامعة تشونغتشينغ في الصين سلالتين من خلايا الورم الأرومي الدبقي البشري، هما U-251 وLN-229، بعد زراعتهما لمدة شهر في وسط تبلغ لزوجته 7.1 سنتيبواز، لمحاكاة الظروف الموجودة عند الحافة الغازية للورم.
تشوه
وأظهرت التجارب أن الخلايا التي تعرضت لهذه البيئة أصبحت أصغر وأكثر قابلية للتشوه، ما مكّنها من المرور عبر ممرات ضيقة تعجز الخلايا الأقل مرونة عن اجتيازها بسهولة.
كما قطعت مسافات أطول وتحركت بسرعة أكبر داخل الجهاز التجريبي مقارنة بالخلايا التي نمت في وسط أقل لزوجة، رغم المقاومة الإضافية التي تفرضها السوائل الأكثر كثافة.
ولاحظ الباحثون أيضاً تغيرات داخل الخلايا أثناء عبورها الممرات الضيقة، من بينها انضغاط النواة وتراكم بروتين يُعرف باسم YAP داخلها.
ويسهم هذا البروتين في استجابة الخلايا للقوى الميكانيكية من خلال التأثير في نشاط الجينات، ما يشير إلى أن الضغط الفيزيائي قد ينشّط مسارات إشارات خلوية مرتبطة بالتكيف.
جهاز دقيق
لرصد هذه التغيرات، طوّر الفريق جهازاً مخبرياً دقيقاً مفتوحاً يعتمد على قنوات وممرات مجهرية، بما يتيح التحكم في بدء هجرة الخلايا ومراقبة تشوه أنويتها في الوقت الفعلي، فضلاً عن إبقائها في ظروف الزراعة لفترات تصل إلى شهر.
وجاء تطوير الجهاز لمعالجة بعض القيود التي تواجه الأنظمة التقليدية المغلقة، مثل الاحتكاك بجدران القنوات وصعوبة الحفاظ على إمدادات الأكسجين والمغذيات خلال التجارب الطويلة.
ويتيح التصميم الجديد للباحثين مراقبة استجابة الخلايا للزوجة بصورة أكثر دقة، وفصل تأثيرها عن بعض العوامل الفيزيائية الأخرى التي قد تؤثر في حركة الخلايا ونتائج التجارب.
خصائص فيزيائية
على الرغم من أن السلالتين المدروستين اكتسبتا خصائص فيزيائية متشابهة، فإن استجابتهما على المستوى الجزيئي اختلفت بصورة ملحوظة.
فقد أظهرت خلايا U-251 تغيرات تشبه التحول نحو النمط الوسيط، وهو نمط يرتبط بزيادة الحركة والقدرة على غزو الأنسجة، إلى جانب ارتفاع نشاط جينات مرتبطة بانتشار الورم، من بينها CD44 وFN1 وMMP9.
أما خلايا LN-229، فقد أظهرت تغيرات مشابهة في الشكل والحركة، من دون حدوث تحولات مستمرة مماثلة في التعبير الجيني.
كما كشفت تحليلات البروتينات أن بعض التغيرات المرتبطة باللزوجة استمرت حتى بعد إعادة الخلايا إلى وسط طبيعي، ما يدعم احتمال أن يترك التعرض الميكانيكي المطول أثراً بيولوجياً طويل الأمد، بدلاً من أن يكون مجرد استجابة مؤقتة.
وتشير هذه الاختلافات إلى أن خلايا الورم الأرومي الدبقي قد تصل إلى حالة متشابهة من القدرة على الغزو عبر مسارات بيولوجية مختلفة.
يرى الباحثون أن لزوجة السوائل المحيطة بالورم قد لا تقتصر آثارها على إبطاء حركة الخلايا أو إعاقتها، بل يمكن أن تسهم، عند استمرار التعرض لها، في تشكيل خصائص تساعد الخلايا السرطانية على التسلل إلى الأنسجة المحيطة.
وقد يوفر الجهاز المخبري الجديد أداة لدراسة العلاجات في ظروف ميكانيكية أقرب إلى البيئة التي تعيش فيها الخلايا داخل الورم، واختبار أدوية تستهدف إشارات بروتين YAP أو الهيكل الخلوي والمسارات الأخرى المسؤولة عن التكيف مع القوى الفيزيائية.
ونُشرت الدراسة في 13 أبريل 2026 في دورية Microsystems & Nanoengineering، بعنوان «شريحة مفتوحة ذات ممرات مجهرية تكشف حالات الغزو الخلوي للورم الأرومي الدبقي الناجمة عن اللزوجة طويلة الأمد".
ذاكرة ميكانيكية
ورغم أهمية النتائج في فهم آليات انتشار هذا السرطان، فإنها لا تثبت حتى الآن أن استهداف لزوجة السوائل أو الذاكرة الميكانيكية سيؤدي إلى علاج فعّال؛ إذ لا تزال هذه الاحتمالات بحاجة إلى مزيد من الدراسات.