يمر الدماغ البشري بمراحل متباينة من التغير طوال الحياة، لكن دراسة جديدة كشفت نقطتي تحول لافتتين حول سن 24 عاماً و60 عاماً، عندما تتبدل أنماط النشاط الجزيئي داخل خلاياه. واللافت أن الدماغ لا يسير في خط تصاعدي أو تراجعي مستمر، بل يمر بفترة من التغير السريع، تليها سنوات من الاستقرار النسبي، قبل أن تبدأ إعادة تنظيم جزيئية جديدة في أواخر العمر.

وركز الباحثون على القشرة المخية قبل الجبهية الظهرية، وهي منطقة ترتبط بوظائف معرفية عليا مثل التخطيط واتخاذ القرارات والتحكم في السلوك. ومن خلال تحليل نشاط الجينات داخل الخلايا الفردية، تمكن الفريق من تتبع التغيرات التي تطرأ على أنواع مختلفة من خلايا الدماغ عبر مراحل العمر.

وكشفت النتائج عن 3 مراحل رئيسية. تمتد الأولى من الطفولة حتى نحو سن 24 عامًا، وتشهد تغيرات سريعة في برامج الخلايا الجينية وتركيبها، بالتزامن مع نمو الدماغ وإعادة تشكيل الوصلات العصبية. وبعد ذلك، تظهر نقطة تحول واضحة، إذ تنخفض سرعة التغيرات في معظم أنواع الخلايا، لتدخل القشرة المخية مرحلة من الاستقرار النسبي تمتد تقريبًا من 24 إلى 60 عامًا، وفقا لـ "ديلي ميل".

لكن بعد سن 60، تبدأ الصورة في التغير مجددا. فقد رصد الباحثون إعادة تنشيط عدد من البرامج الجزيئية، خصوصًا داخل الخلايا الدبقية التي تدعم الخلايا العصبية وتشارك في تنظيم البيئة المحيطة بها والاستجابة المناعية داخل الدماغ. وارتبطت هذه المرحلة أيضًا بتغيرات في برامج مرتبطة بالإجهاد الخلوي والمناعة.

ولاحظ الباحثون تغيرا آخر يتعلق بالإيقاع اليومي للدماغ. ففي الأعمار الأصغر، ظهرت أنماط واضحة لنشاط بعض الجينات على مدار اليوم، بينما أصبحت بعض هذه الإيقاعات أقل انتظامًا في أواخر العمر، بالتزامن مع ظهور أنماط أخرى مرتبطة بالخلايا الدبقية والاستجابة للإجهاد.

ولا تعني هذه النتائج أن الدماغ «يتغير فجأة» في يوم بلوغ الإنسان 24 أو 60 عامًا، كما أنها لا تثبت أن القدرات العقلية تتراجع تلقائيًا عند هذه الأعمار. فالسنوات المذكورة تمثل نقاط تحول إحصائية ظهرت في البيانات الجزيئية، وليست حدودًا بيولوجية صارمة تنطبق بالطريقة نفسها على الجميع.

واعتمدت الدراسة على أكثر من 1.3 مليون نواة خلوية مأخوذة من أدمغة 284 شخصا تراوحت أعمارهم بين الولادة و97 عاما. ويأمل الباحثون أن تساعد هذه الخريطة التفصيلية للتغيرات الدماغية في فهم كيفية ارتباط الشيخوخة باضطرابات عصبية ونفسية مختلفة، وفتح الطريق أمام اكتشاف مؤشرات حيوية وأهداف علاجية أكثر دقة.