في مفارقة وبائية غريبة، بدت بكتيريا مجهرية قاتلة وكأنها تتحرك بنظام توجيه جغرافي ذكي، بعدما انحصرت في رصد ضحاياها بدقة شديدة داخل ثلاثة رموز بريدية محددة في أرقى أحياء مانهاتن بنيويورك.
هذا الحصار الجغرافي الخفي تسبب في إعلان وزارة الصحة بالمدينة حالة الاستنفار، إثر تسجيل ثلاث وفيات رسمية على صلة بتفشي مرض "الفيالقة" الرئوي الشرس (Legionnaires’ disease).
وحتى يوم الأحد، سُجلت 74 حالة إصابة مؤكدة، فيما لا يزال ثمانية أشخاص يتلقون العلاج في المستشفيات تحت الرعاية المركزة، في حين غادر 51 شخصاً ممن تم نقلهم إلى المستشفيات سابقاً بعد تماثلهم للشفاء.
وقال مفوض الصحة في مدينة نيويورك، الدكتور أليستر ف. مارتن، في بيان رسمي من قاطرة الأحداث: "لقد تحطمت قلوبنا بعد علمنا بوفاة نيويوركي آخر بسبب مرض الفيالقة في منطقة (أبر إيست سايد). نتقدم بأحر التعازي والمواساة لأحبائهم في مصابهم الأليم، ونؤكد أن فرقنا تعمل على مدار الساعة لمحاصرة هذا التفشي الجغرافي".
ومرض الفيالقة هو شكل حاد وقاسٍ من أشكال الالتهاب الرئوي الحاد، تسببه بكتيريا بيئية تُعرف باسم "الفيلقية" (Legionella)، وتتميز فترة حضانتها الطبية بأنها تمتد عادةً من يومين إلى 10 أيام، وفي بعض الحالات النادرة قد تصل إلى 14 يوماً بعد التعرض لمصدر التلوث.
ولا ينتقل هذا المرض على الإطلاق عن طريق العدوى بين البشر أو عبر الاتصال المباشر، وإنما يصاب به الشخص نتيجة استنشاق رذاذ أو بخار ماء مجهري ملوث بهذه البكتيريا التي تتكاثر في البيئات المائية الدافئة والرطبة.
وتتراوح أعراضه بين الحمى الشديدة، والقشعريرة، والسعال الجاف والمصحوب ببلغم، والآلام العضلية الحادة، وقد يتطور سريعاً إلى مضاعفات تنفسية خطيرة مهددة للحياة، إلا أنه يظل مرضاً قابلاً للشفاء والسيطرة تماماً إذا تم تشخيصه مبكراً وعولج بالمضادات الحيوية المناسبة.
وتربط التقارير الطبية الرسمية الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) خطورة هذا المرض بمعدل وفيات مرتفع للغاية؛ حيث يودي بحياة شخص واحد من بين كل 10 مصابين به (أي بنسبة وفيات تبلغ 10% من إجمالي الحالات)، وهي النسبة الكارثية التي تقفز لتصل إلى 25% (شخص من بين كل 4 مصابين) في حال حدوث التقاط البكتيريا داخل المستشفيات أو منشآت الرعاية الصحية.
وتُشير البيانات الإحصائية السنوية للمراكز إلى أن الولايات المتحدة ترصد سنوياً ما يقارب 6,000 إلى 10,000 حالة إصابة بمرض الفيالقة، وتأتي مدينة نيويورك في مقدمة المدن الأمريكية المتأثرة تاريخياً بهذا المرض نظراً لطبيعتها العمرانية الشاهقة والاعتماد الواسع على نظم التكييف والتبريد المركزية العملاقة.
ويعتقد المسؤولون أن الحالات الأخيرة مرتبطة بشكل وثيق ببكتيريا تم اكتشافها في أبراج تبريد المباني في منطقة "أبر إيست سايد" المكتظة بالسكان في مانهاتن.
وأظهرت الفحوصات المخبرية نتائج إيجابية لوجود بكتيريا الفيلقية في أبراج 76 مبنى سكنياً وتجارياً، وصدرت أوامر قانونية صارمة وعاجلة لأصحابها بتفريغها وتنظيفها وتطهيرها فوراً تحت طائلة المسؤولية.
وأكدت بلدية المدينة أن جميع تلك المباني الـ 76 أتمت بالفعل عمليات المعالجة والتعقيم المطلوبة، مما أدى إلى تسجيل انخفاض حاد وملحوظ في منحنى عدد الإصابات اليومية الجديدة بدءاً من بعد تاريخ 8 يوليو.
وتعمل أبراج التبريد، المستخدمة في التبريد العام للمباني الكبرى، على طرد الحرارة الداخلية إلى الغلاف الجوي عن طريق سحب الهواء الخارجي عبر مياه دافئة قادمة من مبرد مركزي يتم رشها فوق مادة حشو، ويمكن أن يصاب الأشخاص بالمرض عندما يتعرضون لبخار هذه الأنظمة المفتوحة إذا كانت مياهها ملوثة.
وتشير الدراسات البيئية إلى أن أبراج التبريد وغيرها من البيئات الدافئة والرطبة، مثل أحواض الاستحمام الساخنة، والمنتجعات الصحية، والنوافير العامة، وبعض أنظمة السباكة المعقدة، تُعد بيئات مثالية لنمو وتكاثر بكتيريا "الفيلقية"، فيما طمأن مسؤولو الصحة العامة المواطنين بأن هذه المجموعة المحددة من الحالات لا علاقة لها مطلقاً بمياه الشرب البلدية، أو الاستحمام المنزلي، أو أجهزة تكييف الهواء الداخلية الصغيرة.
وكان تفشٍّ محلي عنيف للمرض العام الماضي في حي "هارلم" بنيويورك قد تسبب في نقل 92 شخصاً إلى المستشفيات وأسفر عن وفاة سبعة آخرين، وربطت تلك الحالات حينها أيضاً بأبراج التبريد، مما دفع مجلس المدينة إلى إقرار قانون صارم في شهر مايو يلزم بإجراء فحص دوري وأكثر تكراراً للمعدات، مع فرض غرامات مالية مغلظة على أصحاب العقارات غير الممتثلين.
وتشهد نيويورك مئات الحالات الفردية سنوياً، لكن المسؤولين لاحظوا طفرة مقلقة في الحالات المتركزة جغرافيّاً في ثلاثة رموز بريدية محددة بمنطقة شرق مانهاتن وهي: 10128، و10028، و10075، ويُنصح أي شخص كان متواجداً في نطاق هذه الرموز البريدية خلال الأسبوعين الماضيين بمراقبة حالته الصحية بدقة والتوجه للمستشفى فور ظهور أعراض مثل الحمى أو ضيق التنفس أو الإسهال.
ولا يصاب معظم الأشخاص الذين يتعرضون لبكتيريا "الفيلقية" بالمرض على الإطلاق بفضل الاستجابة المناعية الطبيعية، ولكن يمكن أن يمرض البعض بعد تعرضهم لجرعات عالية أو متكررة، لا سيما الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، والتي تشمل الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاماً، أو الذين يدخنون السجائر العادية أو الإلكترونية (Vape)، أو أولئك الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة أو حالات صحية كامنة ومزمنة مثل السكري، أو أمراض القلب، أو الكلى، أو الكبد، أو الرئة.
وأفادت وزارة الصحة في نيويورك في ختام بيانها التحذيري أنه لا يوجد حتى الآن أي لقاح مرخص أو دواء استباقي للوقاية من هذا المرض، كما أن الأقنعة الواقية (الكمامات العادية) لا تبدو أنها توفر حماية فعالة ضده نظراً لطبيعة البخار المستنشق.