لطالما اعتقد العلماء أن ظهور الشعر الأبيض جزء لا مفر منه من التقدم في العمر، لكن أبحاثاً كشفت عن آلية خفية داخل بصيلات الشعر قد تكون أحد الأسباب الرئيسية وراء فقدان الشعر للونه.

في دراسة نُشرت  في مجلة "Nature" العلمية، بحث فريق من علماء كلية الطب بجامعة نيويورك في دور الخلايا الجذعية الصبغية المعروفة باسم Melanocyte Stem Cells (McSCs)، وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج الخلايا التي تمنح الشعر لونه الطبيعي.

ووجد الباحثون، خلال تجارب أجريت على الفئران، أن هذه الخلايا لا تبقى في مكان واحد داخل بصيلة الشعر، بل تتحرك بين مناطق مختلفة داخل البصيلة، وهو أمر ضروري حتى تنضج وتنتج الخلايا الصبغية التي تحافظ على لون الشعر أثناء نموه.

لكن مع التقدم في العمر، قد يحدث خلل في هذه العملية؛ إذ تعلق بعض الخلايا الجذعية الصبغية داخل منطقة تُعرف باسم انتفاخ بصيلة الشعر (Hair Follicle Bulge)، وتفقد قدرتها على العودة إلى منطقة أخرى داخل البصيلة تُسمى منطقة الإنبات (Germ Compartment)، حيث تحصل على الإشارات اللازمة لإنتاج الصبغة.

وعندما تفقد هذه الخلايا قدرتها على الحركة، تتوقف عن إنتاج الخلايا المسؤولة عن لون الشعر، والنتيجة تكون ظهور الشعر الأبيض.

وقالت مايومي إيتو (Mayumi Ito)، الباحثة الرئيسية في الدراسة وأستاذة في قسم الأمراض الجلدية وعلم الأحياء الخلوي في جامعة نيويورك لانغون هيلث (NYU Langone Health)، إن فقدان الخلايا الجذعية الصبغية لقدرتها على "التنقل والتكيف" قد يكون أحد الأسباب وراء الشيب وفقدان لون الشعر.

وأضافت أن هذه النتائج تشير إلى أن قدرة هذه الخلايا على الحركة وتغيير حالتها قد تكون عنصرًا أساسيًا للحفاظ على شعر صحي وملون.

 هل يمكن إعادة لون الشعر الأبيض؟

رغم أن الاكتشاف يفتح بابا جديدا لفهم أسباب الشيب، فإن العلماء يؤكدون أنه لا توجد حتى الآن طريقة طبية مثبتة قادرة على إعادة لون الشعر الرمادي الناتج عن التقدم في العمر.

وفي مراجعة علمية نُشرت عام 2026 من الفريق نفسه في جامعة نيويورك، أشار الباحثون إلى أن الشيب لا يعتمد فقط على مكان وجود الخلايا الجذعية، بل يرتبط أيضًا بعوامل أخرى، مثل تراجع قدرة الخلايا على إصلاح الحمض النووي، والإجهاد التأكسدي، وتراكم علامات الشيخوخة داخل الخلايا، إضافة إلى تغيرات البيئة المحيطة ببصيلة الشعر.

وأوضح الباحثون أن إبقاء هذه الخلايا الجذعية في حالة حركة أو مساعدتها على الخروج من المنطقة التي تعلق فيها قد يساعد نظريًا على إعادة إنتاج الصبغة، لكن هذا الأمر لم يثبت بعد لدى البشر.

وقال تشي سون من مركز (NYU Langone Health) إن الدراسة تقدم فهمًا جديدًا لكيفية عمل الخلايا الجذعية الصبغية، وقد تفتح مستقبلًا طريقًا محتملًا لمنع الشيب أو عكسه عبر إعادة تنشيط الخلايا العالقة.

لماذا يشيب الشعر بينما يستمر في النمو؟

يشير العلماء إلى أن الخلايا الجذعية الصبغية تختلف عن الخلايا المسؤولة عن نمو الشعر نفسه؛ لذلك يمكن للشعر أن يستمر في النمو حتى بعد فقدانه للونه.

وفي تجربة الفئران، وجد الباحثون أنه مع تقدم العمر أصبحت نسبة أكبر من الخلايا الجذعية الصبغية عالقة داخل بصيلات الشعر، وفي بعض المراحل وصلت نسبة الخلايا العالقة إلى نحو 50% من إجمالي هذه الخلايا.أما الخلايا التي بقيت قادرة على الحركة، فقد احتفظت بقدرتها على إنتاج الصبغة والحفاظ على لون الشعر.

التوتر ليس السبب الوحيد للشيب

رغم ارتباط التوتر بالشيب في كثير من النقاشات، فإن الصورة العلمية الحالية أكثر تعقيدًا. فالباحثون يربطون الشيب بمجموعة من العوامل، منها الإجهاد التأكسدي، ونقص الخلايا الصبغية، واضطراب الإشارات المسؤولة عن إنتاج اللون، وتغيرات البيئة المحيطة ببصيلة الشعر.

وأكد فريق جامعة نيويورك أن نظام الخلايا الجذعية الصبغية يبدو أكثر عرضة للتدهور مقارنة بأنواع أخرى من الخلايا الجذعية، وهو ما يفسر ظهور الشعر الرمادي لدى معظم البشر والفئران مع تقدم العمر.

لا علاج نهائي للشيب حتى الآن

ورغم التقدم العلمي، لا يزال علاج الشيب الطبيعي المرتبط بالعمر مشكلة غير محلولة. وتشير مراجعات خبراء شيخوخة الشعر عام 2026 إلى عدم توفر علاجات فعالة قادرة على إعادة اللون الطبيعي للشعر بشكل مثبت.

كما تؤكد الأكاديمية الأميركية للأمراض الجلدية (American Academy of Dermatology) أن العلاجات الطبية القادرة على إعادة لون الشعر الرمادي غير متوفرة حاليًا، باستثناء بعض الحالات التي يكون فيها الشيب مرتبطًا بأسباب قابلة للعلاج مثل بعض أنواع النقص الغذائي.

وتوجد حاليا بعض الدراسات التي تختبر منتجات تجميلية أو مركبات دوائية، لكنها لم تثبت حتى الآن إمكانية عكس الشيب البيولوجي الناتج عن التقدم في العمر.

هل يمكن إيقاف الشيب مستقبلاً؟

يحتاج العلماء إلى مزيد من الأبحاث لمعرفة مدى أهمية مشكلة "تعطل حركة" الخلايا الجذعية الصبغية لدى البشر، وهل يمكن إعادة تنشيط هذه الخلايا بأمان، وما إذا كان ذلك سيؤدي فعلًا إلى عودة لون الشعر في حالات الشيب الطبيعي.