على مدى أكثر من 50 عاماً، حيّر صوت غامض منخفض التردد آلاف الأشخاص حول العالم، إذ أكد كثيرون أنهم يسمعونه باستمرار دون وجود أي مصدر واضح له. واليوم، تشير دراسة علمية جديدة إلى أن هذا اللغز قد لا يكون مرتبطًا بالبيئة المحيطة، بل ربما ينشأ من داخل الجسم البشري نفسه.

لأكثر من نصف قرن، تداول سكان في دول مختلفة حول العالم روايات متشابهة عن سماع صوت منخفض وثابت يشبه الطنين أو الدوي البعيد، خاصة خلال ساعات الليل، دون أن يتمكن أحد من تحديد مصدره. وقد أثارت هذه الظاهرة فضول العلماء لعقود، بعدما فشلت المحاولات المتكررة في ربطها بمصدر خارجي واضح.

بدأت القصة في سبعينيات القرن الماضي بمدينة بريستول البريطانية، حيث اشتكى عدد كبير من السكان من سماع طنين غامض ومستمر، قبل أن تظهر تقارير مماثلة لاحقًا في مدن بريطانية أخرى مثل بليموث وساوثهامبتون وسوانزي، ثم امتدت إلى مناطق في أوروبا وأمريكا الشمالية، من بينها تاوس في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية وكوكومو بولاية إنديانا.

ومع اتساع رقعة البلاغات، أنشئت قواعد بيانات عالمية لتوثيق الظاهرة، ولا يزال مشروع "قاعدة بيانات الطنين العالمي"، الذي انطلق عام 2012، يجمع مئات الشهادات من أشخاص يصفون الصوت بالطريقة نفسها تقريبًا: طنين منخفض يصعب تحديد اتجاهه، ويكون أكثر وضوحًا داخل الأماكن الهادئة والمغلقة.

وخلال العقود الماضية، طرح العلماء العديد من الفرضيات لتفسير هذا اللغز، من بينها أن يكون ناتجًا عن تفاعل التيارات الهوائية في الغلاف الجوي أو عن أمواج المحيطات، إلا أن جميع هذه التفسيرات واجهت مشكلة أساسية، وهي عدم قدرتها على تفسير جميع الحالات أو تحديد مصدر ثابت يمكن قياسه علميًا.

لكن دراسة حديثة نُشرت في مجلة PLOS One اقترحت تفسيرًا مختلفًا، إذ ركز الباحثون على الأشخاص الذين يسمعون هذا الطنين بدلًا من البحث عن مصدر خارجي له.

وقاد الدراسة الباحث ماركوس دريكسل من الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، حيث خضع 28 شخصًا في ألمانيا لاختبارات سمعية متقدمة بعد أن أفادوا بسماع أصوات منخفضة التردد بشكل متكرر.

وأظهرت النتائج أن اثنين فقط من المشاركين يمتلكان حساسية مرتفعة بصورة استثنائية تجاه الأصوات منخفضة التردد، وهو ما يشير إلى أن معظم الحالات لا يمكن تفسيرها بمجرد وجود أصوات خارجية لا يسمعها الآخرون.

كما بحث الفريق العلمي فيما يُعرف بـ"الانبعاثات الصوتية الأذنية"، وهي أصوات دقيقة تصدرها الأذن الداخلية بشكل طبيعي، إلا أن الدراسة لم تجد علاقة ثابتة بينها وبين الظاهرة.

وبعد استبعاد معظم التفسيرات الخارجية، رجّح الباحثون أن يكون عدد كبير من الحالات مرتبطًا بما يُعرف بـطنين الأذن منخفض التردد، وهو نوع أقل شيوعًا من طنين الأذن المعتاد. وبدلًا من الصوت الحاد المعروف، يشعر المصابون به بأزيز عميق أو اهتزاز منخفض قد يبدو وكأنه قادم من البيئة المحيطة، رغم أن مصدره الحقيقي يكون داخل الجهاز السمعي.

وأوضح دريكسل أن العلماء ما زالوا يعرفون الكثير عن كيفية معالجة الأذن للأصوات عالية التردد، لكن فهم آلية التعامل مع الأصوات منخفضة التردد لا يزال محدودًا، وهو ما يجعل هذا المجال بحاجة إلى مزيد من الدراسات.

ورغم أن النتائج الجديدة تمثل خطوة مهمة نحو فهم هذا اللغز، فإن الباحثين يؤكدون أن القضية لم تُحسم بعد، إذ من المحتمل أن تكون ظاهرة "الطنين الغامض" ناتجة عن أكثر من سبب، وأن تختلف من شخص إلى آخر، ما يعني أن أحد أكثر الألغاز الصوتية غموضًا في العالم لا يزال يحتفظ ببعض أسراره.