تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي نصائح كثيرة تتحدث عن «إعادة ضبط الجهاز العصبي»، من الغطس في الماء البارد إلى استخدام حصائر الضغط الإبري والوقوف على ألواح الاهتزاز، لكن خبراء يؤكدون أن الجهاز العصبي لا يحتاج إلى «إعادة ضبط» بالمعنى المتداول، بل إلى ما هو أهم: المرونة والقدرة على الانتقال من حالة التوتر واليقظة إلى الهدوء والتعافي.
ويُعد الجهاز العصبي شبكة معقدة مسؤولة عن استقبال المعلومات ومعالجتها وتنظيم استجابات الجسم. ويؤدي الجهاز العصبي اللاإرادي دورًا أساسيًا في التحكم بوظائف تلقائية، مثل معدل ضربات القلب وضغط الدم والهضم.
وعندما نتعرض للضغط، ينشط الجهاز العصبي الودي، فتتسارع ضربات القلب وتتوتر العضلات ويزداد الانتباه، وهي استجابة طبيعية تساعد الجسم على التعامل مع التحديات. المشكلة لا تكمن في هذه الاستجابة نفسها، وإنما في صعوبة العودة إلى حالة الهدوء بعد زوال مصدر التوتر.
التنفس البطيء.. بداية بسيطة
من أبسط الطرق التي قد تساعد على تهدئة الجسم ممارسة التنفس البطيء والعميق. ويمكن تجربة التنفس بمعدل يقارب ست مرات في الدقيقة، عبر الشهيق لنحو خمس ثوانٍ ثم الزفير لخمس ثوانٍ، والاستمرار من خمس إلى عشر دقائق.
كما يحظى ما يعرف بـ«التنهد الدوري» باهتمام بحثي؛ إذ يتضمن شهيقًا عميقًا، يليه شهيق قصير إضافي، ثم زفير طويل وبطيء. وتشير أبحاث إلى أن ممارسته بانتظام قد تساعد في تحسين المزاج وخفض معدل التنفس.
التأمل واليقظة الذهنية
قد يساعد التأمل وتركيز الانتباه على اللحظة الراهنة في تخفيف التوتر، خصوصًا عندما يقترن بالتنفس المنتظم. كما يمكن لممارسات مثل فحص الجسم والاسترخاء واليوغا أن تدعم الشعور بالهدوء.
وفي بعض الأحيان، قد يكون تقليل المحفزات هو كل ما نحتاج إليه؛ فإبعاد الهاتف، وإيقاف تشغيل البودكاست، والجلوس لبعض الوقت دون مؤثرات خارجية قد يمنح الجسم فرصة للتعافي.
تحرّك أكثر
الحركة المنتظمة تساعد على كسر فترات الجلوس الطويلة وتغيير الحالة الجسدية المصاحبة للتوتر. ولا يشترط أن تكون التمارين شاقة؛ فالمشي وركوب الدراجة والسباحة وغيرها من الأنشطة الهوائية يمكن أن تدعم صحة الجهاز العصبي اللاإرادي على المدى الطويل.
لكن الإفراط في التدريب قد يأتي بنتيجة عكسية، ما يجعل الراحة والتعافي جزءًا أساسيًا من أي روتين رياضي.
النوم والروتين.. سلاحان مهمان
يستفيد الجسم من الانتظام في مواعيد النوم والاستيقاظ وتناول الطعام والراحة. كما يمكن لإدخال فترات قصيرة من الراحة أثناء يوم العمل، وتقليل استخدام الشاشات مساءً، والابتعاد عن ضغوط العمل قبل النوم، أن يساعد في الانتقال من حالة التنشيط إلى التعافي.
وماذا عن التدليك والبرد؟
تشير بعض الدراسات إلى أن التدليك متوسط الضغط قد يرتبط بانخفاض معدل ضربات القلب والقلق ومستويات الكورتيزول، مع زيادة مؤشرات مرتبطة بالنشاط اللاودي.
أما التعرض للماء البارد، فالصورة أكثر تعقيدًا. فالاستجابة الأولية للبرد تنشط الجهاز العصبي الودي وترفع معدل ضربات القلب، قبل أن تحدث استجابة لاحقة قد ترتبط بزيادة النشاط اللاودي. وعلى الرغم من أن بعض الأشخاص يشعرون بالهدوء بعد التعرض للبرد، فإن الأدلة لا تزال غير كافية لإثبات أنه وسيلة موثوقة لـ«تنظيم الجهاز العصبي».
لا تنخدع بوعود الأجهزة
تحفيز العصب المبهم باستخدام أجهزة مزروعة جراحيًا يُستخدم بالفعل لعلاج بعض الحالات الطبية، لكن ذلك لا يعني أن أجهزة الصحة والعافية التي تُسوّق عبر الإنترنت تحمل الدليل العلمي نفسه.
وبعض أجهزة التحفيز العصبي غير الجراحية حصلت على موافقات لاستخدامات طبية محددة، لكن هذا يختلف عن إثبات فعاليتها في علاج التوتر لدى عامة الناس. لذلك، قد يكون من الأفضل البدء بالأساسيات التي لا تحتاج إلى أجهزة: النوم الجيد، الحركة، التنفس البطيء والراحة.
الطبيعة قد تساعد أيضًا
قضاء الوقت في الطبيعة ارتبط في بعض الدراسات بانخفاض نشاط الجهاز العصبي الودي وارتفاع النشاط اللاودي، إلى جانب انخفاض مستويات هرمونات مرتبطة بالتوتر.
وقد يكون المشي في الخارج، بعيدًا عن الهاتف ومصادر التشتيت، وسيلة بسيطة للجمع بين الحركة والهدوء وتغيير البيئة.
الخلاصة
لا يحتاج الجهاز العصبي إلى «إعادة ضبط» بالمعنى الشائع على الإنترنت. فهو مصمم أصلًا للتنقل بين التنشيط والراحة بحسب ما يتطلبه الموقف.
والهدف الحقيقي هو تعزيز قدرة الجسم على التعامل مع التوتر ثم التعافي منه. وقد تكون الوسائل الأبسط هي الأكثر فائدة: نوم منتظم، حركة يومية، تنفس بطيء، فترات راحة، وقت في الطبيعة، وعلاقات وهوايات تمنح الحياة قدرًا من التوازن.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بإجبار الجسم على الهدوء طوال الوقت، بل بمنحه فرصة كافية للعودة إلى الهدوء عندما ينتهي الضغط.