لآلاف السنين، ظل سؤال يحير علماء الآثار والطب الشرعي: كيف يمكن لدماغ بشري أن يبقى محفوظًا بينما يتحلل باقي الجسد بالكامل؟

فقد عُثر على آلاف الهياكل العظمية القديمة التي احتفظت بأنسجة دماغها بحالة مدهشة، في ظاهرة أطلق عليها العلماء اسم "مفارقة حفظ الدماغ"، والآن يبدو أن فريقا من الباحثين اقترب من حل هذا اللغز الغامض.

وتوصلت دراسة حديثة إلى أن السر لا يكمن في الدماغ وحده، بل في تفاعل معقد بين بيئة الدفن، ونقص الأكسجين، والتركيب الكيميائي الفريد لأنسجة الدماغ. إذ تشير النتائج إلى أن الظروف الرطبة والفقيرة بالأكسجين قد تغير مسار التحلل الطبيعي، فتمنع تدمير البروتينات بشكل كامل، وتساعد على تكوين تراكيب أكثر صلابة تقاوم مرور الزمن.

ولاختبار هذه الفرضية، قام الباحثون بدفن أدمغة فئران في بيئات مختلفة تختلف في مستويات الماء والأكسجين، ثم تابعوا عملية التحلل على مدى ستة أشهر باستخدام تقنيات تحليل جزيئية متقدمة. وأسفر البحث عن تحليل أكثر من 1.26 مليون مسار لتحلل البروتينات، ما سمح للعلماء بتحديد العوامل التي تؤثر في بقاء أنسجة الدماغ.

وأظهرت النتائج أن الأكسجين يلعب الدور الأكبر في عملية التحلل؛ فالمستويات المرتفعة منه تسرّع تدمير البروتينات، بينما تؤدي البيئات منخفضة الأكسجين إلى تكوين روابط كيميائية قوية داخل البروتينات، تجعلها أكثر مقاومة للتفكك.

ويرى الباحثون أن طبيعة الدماغ نفسها تجعله مرشحا للحفظ في ظروف معينة، فهو غني بالدهون والمعادن والأغشية التي قد تساعد على تثبيت الجزيئات، إضافة إلى أن الجمجمة تعمل كحاجز يقلل من وصول السوائل والأكسجين مقارنة ببقية أجزاء الجسم، وفقاً لموقع "livescience".

والأكثر إثارة أن هذه الاكتشافات قد لا تقتصر على علم الآثار فقط؛ إذ لاحظ العلماء تشابها بين بعض البصمات الجزيئية للبروتينات المحفوظة وتلك الموجودة في أمراض التنكس العصبي مثل مرض ألزهايمر، ما قد يفتح بابًا جديدًا لفهم كيفية تطور هذه الأمراض.

وقالت ألكسندرا سيفيور، الباحثة في علم الأحياء القديمة بجامعة أكسفورد والمؤلفة الرئيسية للدراسة، لموقع "livescience": "اكتشفنا أن بقاء الدماغ محفوظًا ليس ظاهرة نادرة أو استثناءً، بل نتيجة لمسار كيميائي مختلف. ففي الظروف المناسبة، قد تنشأ عملية الحفظ من التحلل نفسه؛ إذ إن التفاعلات التي تفكك الأنسجة يمكن أن تسهم أيضًا في ربط نواتج التحلل معًا، لتشكيل تراكيب أكثر صلابة ومقاومة للتلف."