لا تقتصر آثار الضغوط المالية على القلق والتوتر فقط، بل قد تمتد إلى الدماغ نفسه. فقد كشفت دراسة جديدة أن الأشخاص الذين يعيشون سنوات طويلة من الصعوبات المالية أو يعتمدون على دخل منخفض قد يكونون أكثر عرضة لظهور علامات الشيخوخة المبكرة في الدماغ وتراجع بعض القدرات المعرفية.

ووجد الباحثون أن تراكم الضغوط المالية على مدى سنوات يرتبط بضعف الأداء في اختبارات الذاكرة وسرعة معالجة المعلومات، إضافة إلى تغيرات في بنية الدماغ تشبه تلك المرتبطة بالتقدم في العمر.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Innovation in Aging في 23 يوليو، حيث اعتمد الباحثون على بيانات طويلة المدى لأشخاص بريطانيين تمت متابعتهم منذ الولادة تقريبا.

وحلل الفريق بيانات نحو 2800 شخص ولدوا عام 1946، مع متابعة أوضاعهم المالية في مراحل مختلفة من حياتهم، بينها أعمار 26 و43 و53 عامًا، إلى جانب تقييم قدرتهم على تغطية النفقات والالتزامات المالية.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين عانوا من انخفاض الدخل أو صعوبات مالية مستمرة سجلوا أداءً أضعف في اختبارات الذاكرة اللفظية وسرعة التفكير عند بلوغ سن 53 عامًا.

وقال الباحث جاك ويلز، من جامعة كوليدج لندن، إن معظم الدراسات السابقة ركزت على الصعوبات المالية في فترة زمنية محددة، بينما تكشف هذه الدراسة أن تراكم الضغوط الاقتصادية عبر سنوات طويلة هو العامل الأكثر ارتباطًا بتدهور الصحة الإدراكية.

كما أظهرت فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي لبعض المشاركين وجود ارتباط بين الضغوط المالية وتغيرات في الدماغ، من بينها انخفاض حجم بعض المناطق المرتبطة بالوظائف المعرفية، وهي علامات قد تشير إلى تسارع عملية الشيخوخة الدماغية.

ووجد الباحثون أن التأثير كان أكثر وضوحا لدى الرجال، وهو ما قد يرتبط بعوامل اجتماعية تعود إلى جيل كان يُنظر فيه إلى الرجل باعتباره المسؤول الأساسي عن إعالة الأسرة، إضافة إلى احتمال ارتباط الضغوط المالية بسلوكيات صحية سلبية مثل التدخين أو استهلاك الكحول.

كما أشارت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين تعرضوا للحرمان في مرحلة الطفولة أو لديهم عوامل وراثية تزيد خطر الإصابة بمرض ألزهايمر كانوا أكثر تأثرًا بالضغوط الاقتصادية.

وقالت الباحثة الرئيسية برافيثا باتالاي إن النتائج تشير إلى أن تقليل الفقر المزمن وتقديم الدعم للأشخاص الذين يواجهون صعوبات مالية قد لا يحسن ظروفهم المعيشية فقط، بل يمكن أن يساعد أيضًا في حماية الصحة العقلية وتقليل مخاطر التدهور المعرفي مستقبلًا.

ولا يرتبط تأثير قلة المال بالحرمان المادي فقط، بل بالضغوط المستمرة التي ترافقها. فالقلق بشأن المستقبل وصعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية قد يضعان الدماغ في حالة تأهب دائم، ما يرفع مستويات التوتر ويؤثر مع مرور الوقت في وظائف مثل التركيز والذاكرة وتنظيم المشاعر. كما أن الصعوبات المالية المزمنة قد تدفع إلى أنماط حياة تؤثر سلبًا في صحة الدماغ، مثل قلة النوم، وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، واتباع عادات غير صحية.

وتسلط هذه النتائج الضوء على أن تأثير الأوضاع الاقتصادية لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل قد يمتد إلى الصحة الجسدية والعقلية على المدى الطويل، ما يجعل الحد من الفقر المزمن ودعم الفئات الأكثر تعرضًا للضغوط خطوة مهمة للحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر.