في رفوف المتاجر، لم يعد البروتين مخصصًا للرياضيين فقط. صار في ألواح الشوكولاتة، والقهوة، والآيس كريم، وحبوب الإفطار، والماء المنكه، وحتى في الوجبات السريعة التي تريد أن تبدو أكثر صحة، فكلمة «بروتين» تحولت إلى تعويذة تسويقية صغيرة، فيكفي أن تُكتب على العبوة حتى يشعر المستهلك أنه اختار شيئًا أفضل، أقوى، وأنحف، وأكثر انضباطاً.
لكن خلف هذا الهوس، هناك أزمة صامتة: الواي بروتين، أو بروتين مصل اللبن، لم يعد متوفرًا بالسهولة التي اعتادتها الشركات. الطلب العالمي تضخم، والأسعار صعدت، وسلاسل الإمداد بدأت تشعر بالضغط. فجأة، البودرة التي كانت تُباع كطريق سريع إلى العضلات، أصبحت نفسها مادة مطلوبة أكثر مما يستطيع السوق توفيره.
خرجت من النادي
هو في الأصل منتج جانبي من صناعة الجبن، فيتم أخذ السائل الذي ينفصل عن الحليب أثناء التصنيع، ثم يُجفف ويُحوّل إلى مسحوق عالي البروتين. لسنوات، ارتبط بالصالات الرياضية، ولاعبي كمال الأجسام، ومن يريدون بناء العضلات بعد التمرين. لكن ما تغيّر اليوم أن الواي خرج من حقيبة الرياضي إلى عربة التسوق العادية.
بحسب «وايرد الشرق الأوسط»، وصل هوس العالم بالبروتين إلى نقطة ضغط حقيقية، فالشركات لا تضيف البروتين إلى المنتجات الرياضية فقط، بل إلى كل شيء تقريباً، بينما يقول الخبراء إن العلم أكثر تعقيداً من وعود الملصقات. فليست كل عبوة «عالية البروتين» تعني بالضرورة أن الجسم يحتاجها، وليست كل وجبة ينقصها مسحوق أبيض كي تصبح صحية.
المفارقة أن البروتين نفسه ضروري جدًا، ولا يوجد أحد يجادل في ذلك، فالجسم يحتاجه لبناء العضلات، وإصلاح الأنسجة، ودعم المناعة، والحفاظ على الشبع. المشكلة ليست في البروتين، بل في تحويله إلى هوس. كأن كل إنسان، مهما كان عمره ونشاطه، يحتاج إلى جرعة رياضية فوق طاقته اليومية.
أزمة الطلب
الأرقام تكشف حجم التحول. تقرير لسوق البروتين في 2026 قدّر سوق مكملات البروتين بنحو 33.5 مليار دولار، مع نمو سنوي يقارب 13.2%، وسوق المنتجات الغذائية العالية بالبروتين بنحو 70.2 مليار دولار، وسوق مكونات البروتين بنحو 30.1 مليار دولار. في الوقت نفسه، يشير التقرير إلى أن أسعار بعض أشكال الواي قفزت بقوة، إذ ارتفع سعر مركز بروتين مصل اللبن بنحو 108% خلال عامين، بينما ارتفع سعر عزل بروتين مصل اللبن بنحو 139%.
وتشير «أسوشيتد برس» إلى أن عدد المنتجات الغذائية التي تحمل وعودًا بروتينية في الولايات المتحدة اقترب من 39 ألف منتج، وأن أسعار مركز الواي وعزله ارتفعت بنسب كبيرة خلال عام واحد، وسط طلب متزايد من شركات الأغذية والمستهلكين. ولم يعد الواي يستخدم فقط في مكملات الرياضيين، بل في مشروبات جاهزة، وأطعمة مدعمة، ومنتجات تستهدف كبار السن، والنساء، ومستخدمي أدوية إنقاص الوزن.
وهنا تدخل أدوية GLP-1، مثل أدوية إنقاص الوزن الشائعة، على الخط. هذه الأدوية تقلل الشهية، وتجعل بعض المستخدمين يأكلون كميات أقل، لذلك تنصح كثير من التوجيهات الغذائية بالحفاظ على كمية كافية من البروتين لتقليل خسارة الكتلة العضلية أثناء فقدان الوزن. النتيجة أن البروتين لم يعد يُباع فقط بوصفه مكملًا للعضلات، بل بوصفه حماية للجسم في عصر النحافة الدوائية.
الرغبة والحاجة
بحسب مرجعيات غذائية دولية، يحتاج البالغ العادي إلى نحو 0.75 إلى 0.83 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا، بحسب الجهة العلمية والمعيار المستخدم. وهذا يعني أن شخصًا وزنه 70 كيلوغرامًا قد يحتاج تقريبًا إلى 55 إلى 60 غرامًا من البروتين يوميًا في الظروف العادية.
لكن الرياضيين، ومن يمارسون تمارين مقاومة بانتظام، وكبار السن، ومن يمرون بفقدان وزن كبير، قد يحتاجون إلى كمية أعلى. «الجمعية الدولية للتغذية الرياضية» تشير إلى أن الأشخاص النشطين قد يستفيدون غالبًا من نطاق يقارب 1.4 إلى 2.0 غرام لكل كيلوغرام يوميًا لدعم بناء العضلات والتعافي، بحسب نوع التدريب والهدف والحالة الصحية.
أي أن المشكلة ليست في زيادة البروتين عند من يحتاجه، بل في تعميم حاجة الرياضي على الجميع. موظف يجلس معظم يومه، ولا يمارس تمرين مقاومة، ولا يعاني من نقص، قد لا يحتاج إلى مخفوق بروتين يومي فقط لأنه رأى إعلانًا يعده بجسم أفضل. البروتين ليس عصا سحرية؛ إذا لم يكن هناك تدريب، ونوم، وسعرات متوازنة، فلن تبني البودرة عضلات وحدها.
إحدى خدع السوق أن كلمة «بروتين» أصبحت تمنح المنتج هالة صحية حتى لو كان شديد المعالجة أو مليئًا بالمحليات والإضافات. قد تحمل قطعة حلوى عبارة «20 غرام بروتين»، لكنها تظل حلوى. وقد يحتوي مشروب جاهز على بروتين، لكنه ليس بالضرورة أفضل من وجبة متوازنة من البيض، أو اللبن اليوناني، أو العدس، أو السمك، أو الدجاج، أو التوفو.
الواي بروتين مفيد لأنه سريع وسهل وغني بالأحماض الأمينية الأساسية، خصوصًا الليوسين المرتبط بتحفيز بناء العضلات. لكنه ليس المصدر الوحيد، ولا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن الطعام. الجسم لا يحتاج إلى البروتين وحده، بل يحتاج إلى ألياف، وفيتامينات، ومعادن، ودهون صحية، وكربوهيدرات مناسبة، وماء، ونوم.