نحن لا ننتظر الأزمات، بل ننسجها بصمتٍ في ثنايا أيامنا. نغض الطرف عن شروخ صغيرة لا تلبث أن تصبح صدعاً، متوهمين أن الكوارث مفاجآت، وهي في الحقيقة حصادٌ صبورٌ لإهمالنا. لماذا نحتفي بالترميم بعد الخراب، ونعتبر الوقاية ترفاً نستغني عنه، حتى يغدو الانهيارُ قدراً لا مفر منه؟

يبدو المثل الإماراتي الشعبي الذي يقول "لا تجهز الدواء قبل الفلعة" منطقياً في ظاهره؛ فالبشر بطبعهم لا يحبون التفكير في الألم قبل حدوثه، ولا يرون في الوقاية أولوية ما دام كل شيء يبدو مستقراً. لماذا يُحضَّر العلاج قبل المرض؟ ولماذا يُقلق الإنسان نفسه بشيء لم يقع بعد؟

لكن المشكلة أن كثيراً من الكوارث لا تأتي فجأة، بل تبدأ صغيرة وهادئة إلى درجة يصعب الانتباه إليها. تبدأ كتعب بسيط، أو توتر يومي، أو علاقة أسرية تتآكل ببطء، أو مجتمع يزداد فيه الإرهاق والعزلة والضغط النفسي يوماً بعد يوم، ثم يتحول كل ذلك لاحقاً إلى أزمة كاملة يتساءل الجميع بعدها: كيف وصلنا إلى هنا؟

الحقيقة أن "الفلعة" نادراً ما تفاجئ الناس فعلاً؛ هي غالباً تعطي إشارات طويلة قبل وصولها، لكن البشر اعتادوا تأجيل الإصغاء إليها حتى تصبح مؤلمة بما يكفي، ولهذا تبدو المجتمعات الحديثة بارعة في علاج النتائج، لكنها أبطأ بكثير في التعامل مع الأسباب. تُصرف الجهود بعد الانهيار، وتُطلق المبادرات بعد الأزمة، وتبدأ النقاشات الجدية بعد أن يصبح التعب واقعاً يومياً لا يمكن تجاهله.

في كل يوم، تظهر إشارات صغيرة تقول إن شيئاً ما ليس بخير؛ إرهاق نفسي متزايد، وضغط عمل مستمر، وعلاقات أسرية أضعف، ووقت يذوب في الطرقات والشاشات والالتزامات. ومع ذلك، كثيراً ما يُتعامل مع هذه الإشارات وكأنها تفاصيل عابرة، لا مقدمات لشيء أكبر.

وربما تكمن المشكلة الحقيقية في أن الوقاية لا تملك الدراما نفسها التي يملكها العلاج. فالناس تحتفي دائماً بمن ينقذ بعد الكارثة، لكنها أقل اهتماماً بمن منع الكارثة من الأصل، ولهذا يبدو المثل الشعبي، رغم بساطته، كأنه يصف واحدة من أكثر نقاط الضعف البشرية وضوحاً: الميل إلى الانتظار حتى يصبح الألم حقيقياً ومرئياً، مع أن الحكمة الحقيقية ربما كانت دائماً في الاستعداد قبل وصول "الفلعة"، لا بعدها.

فالمدن لا تصبح أكثر صحة لأنها تملك أفضل علاج فقط، بل لأنها تعرف كيف تمنع التعب قبل أن يتحول إلى أزمة عامة، وكيف تحمي الإنسان قبل أن تضطر إلى إنقاذه.