لم تعد الضغوط المرتبطة بالمظهر حكراً على النساء، فاليوم يعيش عدد متزايد من المراهقين والشباب سباقاً رقمياً مفتوحاً نحو “الجسد المثالي” و”الوجه المثالي”، ضمن ثقافة تُعرف باسم "اللوكسماكسينغ" “Looksmaxxing”، وهي حركة إلكترونية تدفع الشباب إلى تحسين مظهرهم بأقصى الطرق الممكنة، من الرياضة والعناية بالبشرة، وصولاً إلى الحقن والببتيدات والمواد غير المنظمة طبياً.

وبحسب تقرير نشرته "وول ستريت جورنال"، بات بعض الشباب يلجأون إلى "ثقافة التكديس" “Stacks”، وهي خلطات تضم عدة ببتيدات ومركبات حيوية، بهدف الحصول على فك أكثر حدة، وبشرة أفضل، وخسارة أسرع للدهون، في محاولة للوصول إلى المعايير الجمالية التي تروج لها منصات التواصل الاجتماعي. 

اقتصاد ضخم ينمو خلف الشاشات

الظاهرة لم تعد مجرد “ترند” شبابي، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد عالمي سريع النمو، فوفق تقديرات سوقية متخصصة، تجاوزت قيمة سوق الببتيدات العلاجية عالمياً 50 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، مع توقعات بنمو سنوي قوي مدفوع بقطاعات خسارة الوزن، ومكافحة الشيخوخة، وتحسين الأداء البدني والجمالي. 

كما تشير بيانات من شركات أبحاث السوق إلى أن سوق أدوية السمنة وحده الذي يشمل أدوية "GLP-1"  قد يتجاوز 100 مليار دولار سنوياً بحلول نهاية العقد الحالي، مع توسع الاستخدامات التجميلية وخسارة الوزن خارج الإطار الطبي التقليدي.

وفي موازاة السوق الدوائي الرسمي، تنمو “السوق الرمادية” للببتيدات غير المعتمدة بوتيرة متسارعة، حيث تُباع المنتجات عبر مواقع إلكترونية وتطبيقات مراسلة تحت عبارة “لأغراض البحث فقط”، رغم استخدامها فعلياً من قبل المستهلكين. 

أسعار تبدأ بعشرات الدولارات وتنتهي بآلاف

تكلفة الدخول إلى هذا العالم لم تعد مرتفعة كما في السابق، وهو ما ساهم في انتشاره بين المراهقين، فبحسب صحيفة أمريكية، اشترى أحد المستخدمين خلطة ببتيدات لمدة ثلاثة أسابيع مقابل 65 دولاراً فقط، بينما دفع آخر نحو 90 دولاراً لإمدادات تستمر شهراً أو شهرين. 

لكن مع تصاعد ثقافة التكديس، ترتفع الفواتير سريعاً، فبعض البروتوكولات المنتشرة على الإنترنت تُسوّق بحوالي 180 دولاراً كبداية، بينما تصل “الحزم المتقدمة” إلى أكثر من 500 دولار شهرياً، وفق مواقع متخصصة تروج لبروتوكولات.

وتعرض مواقع متخصصة “باقات كاملة” تضم مركبات مثل "Retatrutide" و"BPC-157" و"GHK-Cu" بأسعار تتراوح بين 310 و525 دولاراً للحزمة الواحدة، فيما تبيع مواقع أخرى “بروتوكولات متقدمة” قد تتجاوز 600 دولار شهرياً.

جيل جديد يطارد النسخة المثالية

ما يحدث اليوم يعكس تحولاً أعمق في مفهوم الجمال الذكوري، فالمظهر الخارجي أصبح بالنسبة لكثير من الشباب رأس مال اجتماعي، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الصورة إلى عنصر أساسي في بناء المكانة الاجتماعية والفرص وحتى الثقة بالنفس.

ومع هيمنة الخوارزميات على المحتوى، باتت الوجوه الجذابة والأجساد الرياضية تحقق انتشاراً أكبر، ما يدفع الشباب إلى التعامل مع أجسادهم كأنها “مشاريع تطوير مستمرة” تحتاج إلى تحديث دائم. 

ويرى مختصون أن هذه البيئة خلقت اقتصاداً قائماً على عدم الرضا، تستفيد منه شركات المكملات، وعيادات التجميل، وصناع المحتوى، وحتى المؤثرون الذين يروجون لبروتوكولات ومواد معينة مقابل عمولات وروابط شراء.

وسائل التواصل كمحرك للسوق

اللافت أن انتشار الظاهرة يعتمد بشكل شبه كامل على اقتصاد المؤثرين، ففيديوهات “التحول الجسدي” و”ستاكنق” و”Biohacking” أصبحت من أسرع فئات المحتوى الصحي نمواً على منصات البث. 

وبحسب "نيوورك بوست"، يتبادل المستخدمون أسماء الموردين عبر "ديسكورد" و"واتساب" و"تيليغرام"، فيما تُستخدم تطبيقات الفيديو القصير لشرح طرق الحقن والجرعات وخلطات المواد المختلفة. 

مخاطر صحية وسوق غير منظمة

ورغم الانتشار الواسع، يحذر الأطباء من أن كثيراً من هذه المواد لم يحصل على موافقات تنظيمية للاستخدام التجميلي أو الرياضي، وبعضها لا يزال في مراحل التجارب السريرية. 

كما حذر أطباء غدد صماء من أن استخدام الببتيدات لدى المراهقين قد يؤثر على النمو الطبيعي والهرمونات، مع مخاوف من اضطرابات مرتبطة بالقلب، وتضخم أجزاء من الجسم، ومضاعفات طويلة الأمد. 

وتشير تقارير إلى أن كثيراً من المنتجات تأتي من مصانع غير خاضعة لرقابة صارمة، غالباً في الصين، مع مخاوف من التلوث أو غياب معايير الجرعات الدقيقة.

عندما يصبح الجسد مشروعاً استثمارياً

في النهاية، تكشف ظاهرة “اللوكسماكسينغ” عن تحول ثقافي واقتصادي أوسع، حيث لم يعد تحسين المظهر مجرد رغبة شخصية، بل استثماراً اجتماعياً ورقمياً أيضاً.

وفي عالم تحكمه الصور والخوارزميات والانطباعات السريعة، يبدو أن كثيرين باتوا ينظرون إلى أجسادهم بالطريقة نفسها التي تنظر بها الشركات إلى المنتجات: شيء يمكن تحسينه، تطويره، وتسويقه باستمرار، حتى لو كان الثمن حقناً غير مضمونة سعياً وراء نسخة “أكثر قبولاً” على الإنترنت.