كشفت أحدث الدراسات العلمية أن أسماك القرش، التي طالما أثارت الرهبة والإعجاب بمظهرها المخيف وقوتها، قد تحمل حلولا واعدة في علاج السرطان، أحد أخطر الأمراض في القرن الحادي والعشرين.

وتشير الأبحاث إلى أن جهاز المناعة لدى هذه المفترسات البحرية يمتلك قدرات فريدة قد تُحدث ثورة في علم الأورام.

جهاز مناعي فريد ومقاومة استثنائية للسرطان

يختلف جهاز المناعة لدى القروش اختلافا جذريا عن البشر، فقد طور قدرات فريدة تمكنها من مقاومة العدوى بسرعة وشفاء الجروح بكفاءة مذهلة، وبالرغم من طول عمرها وحجمها الكبير، تظهر القروش مقاومة ملحوظة للسرطان، ويحاول العلماء منذ سنوات فهم مصدر هذه المقاومة الطبيعية واستغلالها في الطب الحديث.

اكتشاف أجسام مضادة فريدة

أظهرت أبحاث جامعة ماريلاند أن جهاز المناعة لدى القروش ينتج أجساما مضادة فريدة، تُعرف باسم "الأجسام المضادة ذات السلسلة الفردية"، وهي أصغر بكثير من نظيراتها البشرية، مما يمكنها من الوصول إلى مناطق في الجسم يصعب على الجزيئات الكبيرة الوصول إليها.

وأظهرت أبحاث فريق آرون ليبو من جامعة ويسكونسن إمكانية تعديل هذه الأجسام المضادة لاستهداف الخلايا السرطانية.

بالتعاون مع شركة التكنولوجيا الحيوية البريطانية Elasmogen، تُختبر هذه الأجسام المضادة على أنواع مختلفة من السرطان، وأظهرت النتائج الأولية أنها تتعرف على الخلايا السرطانية وتدمرها مع الحفاظ على الأنسجة السليمة.

تحليل الجينوم يكشف أسرار القروش

إلى جانب الدراسات المتعلقة بالأجسام المضادة، أجرى علماء جامعة كورنيل تحليلا شاملا لجينوم القروش.

أظهرت النتائج، المنشورة في مجلة BMC Genomics، تعديلات مذهلة في الجينات المرتبطة بالمناعة، بما في ذلك جينومات القروش البيضاء وقروش المطرقة، وقد لوحظ أن الجينات المسؤولة عن المناعة التكيفية مرت بمرحلة تطور مكثفة، وهو ما قد يفسر قدرتها العالية على مقاومة العدوى والتئام الجروح بسرعة.

وأشار العلماء إلى مفارقة مثيرة، وهي أن بعض الجينات التي تعزز السرطان لدى البشر تطورت لدى القروش لتعزيز المقاومة ضد الأورام، ما يفتح آفاقا جديدة لفهم آليات تكون السرطان وتطوير علاجات أكثر فعالية.

قدرات مذهلة لإصلاح الحمض النووي

يحوي جينوم القروش أيضا تسلسلات جينية متقدمة لإصلاح الحمض النووي واستقرار الجينوم، ما يحميها من الطفرات المؤدية إلى السرطان.

وأظهرت أبحاث جامعة موناش في أستراليا أن انخفاض معدل إصابة القروش بالسرطان يعود لقدرتها الفائقة على إصلاح المادة الوراثية التالفة.

الطريق نحو التطبيقات السريرية

رغم هذه الاكتشافات الواعدة، يحذر العلماء من الإفراط في التفاؤل، إذ لا تزال هناك سنوات عديدة من الأبحاث قبل الانتقال من التجارب المخبرية إلى التطبيقات السريرية، ويستلزم الأمر فهما دقيقا لآلية عمل الأجسام المضادة للقروش والتأكد من سلامتها للبشر.

ومع ذلك، تعكس هذه الأبحاث كيف يمكن للطبيعة أن تلهم تطوير أدوية فعالة، إذ قد تفتح القدرات الفريدة للقروش فصلا جديدا في مكافحة السرطان.

وأكد الباحثون أن الهدف ليس القضاء على المرض بالكامل، بل تعلم التحكم بالآليات الطبيعية التي تحمي من تطوره.

القروش رمز أمل

تترقب الأوساط العلمية نتائج التجارب السريرية المقبلة، التي قد تثبت فعالية الأجسام المضادة للقروش في علاج السرطان لدى البشر، وإذا تأكدت الفعالية، فقد تتحول القروش من رمز للخطر البحري إلى رمز للأمل لملايين المرضى حول العالم.