في مشهد إبداعي ترعاه دبي وتغذّيه بفرص نوعية للمواهب الصاعدة، تبرز تجربة الفنانة والطاهية موزة المطروشي بوصفها امتداداً حيوياً لهذه البيئة الداعمة، حيث أسهمت الجهود الملموسة التي تقدمها الإمارة للمبدعين في صقل مسيرتها وتعزيز حضورها على تقاطعات الفن والطهي.

ولم يكن هذا التميز وليد اللحظة، بل تأسس على مسار أكاديمي وفني متين، تُوّج بحصولها على منحة لدراسة ماجستير الفنون الجميلة في كلية سليد للفنون الجميلة التابعة لـUniversity College London عام 2017، بعد اجتيازها زمالة برنامج الشيخة سلامة بنت حمدان للفنانين الناشئين عام 2015، في رحلة تعكس تفاعل الموهبة مع منظومة حاضنة للإبداع.

وفي قلب التضاريس الإماراتية المتنوعة، لا تبحث موزة المطروشي عن مجرد وصفات طعام، بل تقتفي أثر سلسلة حياة تبدأ من التربة وتنتهي عند ذائقة المتلقي. وعبر مشروعها «بلد»، استطاعت أن تعيد تعريف الانتماء من خلال حاسة التذوق، محولة الطهي من مهارة مطبخية إلى ممارسة بحثية تعيد وصل ما انقطع بين الإنسان والأرض.

انطلقت رؤية مشروع «بلد» لدى موزة المطروشي من ملاحظة نقدية مفادها أن علاقة الإنسان البديهية بالطعام انحرفت عن مسارها الطبيعي المرتبط بالأرض لتتصل بشكل كلي بالسوق. هذا التحول دفع المطروشي إلى التفكير في كيفية استعادة هذه السلسلة عبر ممارسة فنية وطهوية تُصمم فرصاً تلتقي فيها قوائم الطعام مع الناس في سياقاتها الطبيعية.

ولا تكتفي موزة بالمكونات الجاهزة، بل تبدأ عملها دائماً من المسارات الجبلية حيث تسير مع المرشدين في أودية مثل وادي الحلو للاستماع لتاريخه وعلاقته بالمياه والزراعة، وتعمل جنباً إلى جنب مع المزارعين لقراءة مواسم المحاصيل وترجمتها إلى أطباق، وتصغي للبيئة وتترك للجبال والأودية والسواحل مهمة توجيه اختيار المكونات ورسم هوية الأطباق.

مسارات بحثية

ويعد البحث العلمي والميداني الركيزة الأساسية لمشروع «بلد»، إذ تنشغل المطروشي بمسارات بحثية طويلة الأمد تتمحور حول قراءة المواسم من داخلها، فهي لا تعتمد على التقاويم الجاهزة فقط، بل تراقب الأرض فعلياً، وتتابع تقاويم الطقس المحلية والإقليمية وتقارنها بالواقع الميداني، وتحاور النحالين لمتابعة دورات الإزهار، وبائعي الخضراوات والفواكه لرصد ما يظهر ويختفي في الأسواق، كما تراقب التحولات الطارئة على الأرض بعد هطول الأمطار وما ينمو فيها فجأة. هذه الملاحظات المتكررة تتحول إلى قوائم طعام تعكس أثر الموسم كما يعاش.

تجربة نوعية

وفي مشروع «بلد» يتحول الطهي إلى أداة لتوثيق الإرث والمعارف التقليدية، ففي تجربة نوعية بمنطقة حتا، تعاونت موزة المطروشي مع مرشدين محليين وطهاة تقليديين لدمج التاريخ بالطعم.

وخلال المسار الجبلي، كان المشاركون يتوقفون لتذوق عناصر نباتية مرتبطة بالموقع، وانتهت الرحلة بلقاء مع الطاهي المحلي «بو خلفان» الذي قدّم اللحم المطهو بأسلوب التنور التقليدي، ليسهم هذا التلاحم بين البحث الميداني والممارسة التقليدية في ترسيخ الذاكرة، وتصبح المعرفة قابلة للاسترجاع؛ لأنها لم تكن مجرد معلومة، بل تجربة عاشت عبر الحواس.